اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حين يتحوّل الدين إلى سلعة… والسياسة إلى عباءة مقدّسة

حين يتحوّل الدين إلى سلعة… والسياسة إلى عباءة مقدّسة

بقلم / أحمد عبدالقادر عمر بن الشيخ أبو بكر
الخميس 5 مارس 2026

قيل إن هناك ثلاثة لا تثق فيهم ولا تأمن لهم:
سياسيًّا تحوّل إلى رجل دين، ورجل دين تحوّل إلى رجل بلا دين، وثالثًا انتهازيًّا لا يرى في المبادئ إلا سلّمًا يصعد به إلى مصالحه.

أما الأول، فهو ذلك الذي يخلط الأوراق عمداً؛ يتحدث بلغة الوعظ حين يحتاج إلى التصفيق، ويرتدي ثوب السياسة حين تلوح المصالح. يوظّف النصوص كما توظَّف الشعارات، ويجعل العاطفة الدينية جسراً لعبور طموحاته. فلا يعود الناس يميزون: أهو يخاطب ضمائرهم أم يحشد أصواتهم؟

وأما الثاني، فهو الأخطر؛ رجل دين فقد جوهر الدين. عنده الإيمان استثمار، والفتوى أداة نفوذ، والمحراب منصة دعاية. من يخالفه جاهل، ومن يناقشه عدو، ومن يعارضه خارج عن الملّة. تتكاثر عنده الاتهامات بقدر ما تتناقص القيم. وهنا تبدأ الظلامية؛ حين يُختطف المقدّس ليصبح درعاً ضد النقد، وسيفاً على رقاب المختلفين.

وأما الثالث، فهو “المصلحجي” الذي لا يفهم من الدين ولا من السياسة إلا ما يخدم موقعه ومكسبه. قد يتقمّص هيئة المفكر أو الإعلامي أو الحقوقي أو الناشط، بينما هو في الحقيقة يبدّل مواقفه كما تُبدَّل الأقنعة. يتحدث عن الحرية وهو أول من يقمعها، ويرفع شعار العدالة وهو أبعد ما يكون عنها. الحق عنده عبارة براقة، لكن الباطل الذي يسكن خلفها أكبر مما يُقال.

وقد قيل:
«رجال الدين ليسوا نصابين، ولكن النصابين تحولوا إلى رجال دين».
وهو قولٌ موجز، لكنه يفتح باباً واسعاً للتأمل. فالمشكلة ليست في الدين، بل في من يسيء استخدامه. ليست في السياسة، بل في من يخلطها بالمقدّس ليحصّن نفسه من المساءلة.

إن استدعاء التاريخ في هذا السياق ليس ترفاً، فالتاريخ مليء بشواهد من استغلوا الإيمان لتحقيق مكاسب مادية أو معنوية أو سياسية. لكن المؤلم أن الظاهرة لم تبقَ في الماضي؛ بل تتكرر اليوم بصور أكثر تعقيداً، مستفيدة من الإعلام الحديث ومنابر التواصل، حيث يتحول الدين إلى سلعة قابلة للتداول، وتُختزل القيم في عناوين مثيرة، ويُستثمر الوجدان الجمعي في معارك النفوذ.

إن الدين في جوهره رسالة هداية ورحمة وعدل، والسياسة في أصلها إدارة للمصلحة العامة وتحقيق للصالح العام. لكن حين يُختطف الأول ويُلوَّث الثاني، يصبح المجتمع ساحة صراع بين شعارات كبيرة وممارسات صغيرة.

لسنا بحاجة إلى جلد الذات، بل إلى وعيٍ يفرّق بين المقدّس ومن يتاجر به، بين النص وروحه، بين الخطاب ومقاصده. فالدين لا يحتاج إلى سماسرة، والسياسة لا تحتاج إلى أقنعة، والمجتمعات لا تنهض بالشعارات، بل بالقيم الصادقة التي تُترجم إلى أفعال.

ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل نملك الشجاعة لنميّز بين الإيمان الحقيقي والاتجار به؟ أم سنبقى أسرى لمن يرفع راية الدين بيد، ويخفي حساباته بالأخرى؟

إغلاق