الرئيس علي ناصر محمد ضيفًا على بلاط منتدى مستقبل حضرموت
تاربة_اليوم / خاص / م. لطفي بن سعدون / المكلا / 2 مارس 2026م
في أمسية حوارية استثنائية جرت ليلة أمس ١فبراير ٢٠٢٦م وامتدت لما يقارب ثلاث ساعات،تم استضافة فخامة السيد علي ناصر محمد، الرئيس الأسبق لـ جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ضمن حلقة نقاشية خاصة نظمها منتدى مستقبل حضرموت، بحضور نخبة من أعضائه وضيوفه.
حيث استعرض الرئيس علي ناصر تجربته السياسية خلال قيادته لليمن الجنوبي، متناولًا ما اعتبره إنجازات تحققت في عهده، إلى جانب الإخفاقات التي رافقت مرحلة الحكم الشمولي في عدن، مشيرًا إلى تأثير الأجنحة الأيديولوجية المتشددة ذات النزعة الماركسية التي – بحسب طرحه – أعاقت مسار قيادته وأفضت إلى انفجار الصراع الدموي في أحداث 13 يناير 1986م، التي أنهت وجوده في السلطة وأدخلت الجنوب في مرحلة من الصراعات العميقة ، اوصلته في ختامها لوحدة فاشلة عام ٩٠م مع الشمال.
كما تطرق إلى نشاطه السياسي عقب خروجه من الحكم، الذي اتسم بالنهج البراجماتي، ومشيرًا إلى دوره مع رفيق دربه حيدر أبو بكر العطاس في تأسيس مؤتمر الحراك الجنوبي بالقاهرة، واستمراره في تبني مشروع سياسي يسعى – وفق رؤيته – إلى تسوية شاملة للأوضاع في اليمن على أساس نظام فيدرالي من إقليمين، مع منح المحافظات صلاحيات واسعة.
وخلال الحوار، عرض الرئيس مبادرته للسلام، مؤكدًا أن الحل يكمن في عقد سياسي جديد يطوي صفحة الصراع. غير أن مداخلات الحضور شددت على أن أي مشروع سلام لا يمكن أن يستقيم دون ضمانات دستورية صلبة وآليات تنفيذية واقعية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة سلوى عنبر أن “لا سلام بلا تنمية”، مطالبة بربط أي مبادرة سياسية بخطط تنموية واضحة تضمن معالجة الاختلالات التاريخية، وهو الطرح الذي لقي موافقة الرئيس.
ويمكن القول إن الأمسية شكلت محطة فكرية مهمة في مسار النقاش حول مستقبل حضرموت. فقد نجح المنتدى في إيصال رؤيته بوضوح، مؤكّدًا أن حضرموت لن تكون موضوعًا على طاولة الآخرين، بل طرفًا فاعلًا بشروطه وضماناته.
وإذا كان اللقاء قد أعاد استحضار تجارب الماضي، فإنه في الوقت ذاته كشف أن اللحظة الراهنة تتطلب حاملًا سياسيًا حضرميًا جامعًا، يبلور رؤية واضحة ومحصنة قانونيًا ومؤسسيًا، تضع حضرموت في صدارة المشهد، لا في هامشه.
أمسية حوارية ثرية، أعادت فتح الأسئلة الكبرى، ورسخت قناعة الحاضرين بأن امتلاك القرار هو المدخل الحقيقي لأي سيادة منشودة… وأن حضرموت، بتاريخها وثقلها، قادرة على أن تكون شريكًا أصيلًا في رسم مستقبلها.
كما تميزت الأمسية بحضور قوي لطرح حضرمي واضح ومباشر، تمحور حول موقع حضرموت في أي تسوية سياسية قادمة. فقد أجمع المتداخلون على أن حضرموت عانت من التهميش منذ عام 1967م، وأن أي صيغة مستقبلية يجب أن تعترف بها طرفًا ثالثًا مستقلًا في المعادلة السياسية، لا تابعًا لصنعاء أو عدن.
وكانت مداخلة الدكتور سعد بن طالب من أبرز المداخلات، حيث قدّم قراءة فلسفية لمفهوم الحكم الذي تنشده حضرموت، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تتطلب صيغة حكم ذاتي واضح المعالم، يستند إلى وثيقة شاملة تضمن حق تقرير المصير، مع احتفاظ حضرموت بخيار إعلان دولتها المستقلة في حال إخلال أي مركز سياسي – في صنعاء أو عدن – بالتزاماته تجاهها.
كما أشار عدد من المشاركين إلى أن أي عقد سياسي مستقبلي يجب ألا يقوم على الثقة المجردة أو العواطف السياسية، بل ينبغي أن يكون محصنًا دستوريًا ومسنودًا بضمانات واقعية تحمي الحقوق المكتسبة، معتبرين أن التجارب السابقة أثبتت هشاشة الاتفاقات غير المؤطرة قانونيًا ومؤسسيًا.
ومن خلال مجريات النقاش، برز تباين واضح في التصورات حول موقع حضرموت ودورها. ففي حين تمسك الرئيس برؤية فيدرالية ثنائية، أكد أعضاء المنتدى أن جوهر المسألة لا يتعلق بإدارة محلية موسعة، بل بمكانة حضرموت في مركز القرار السياسي ووزنها في بنية الدولة.
وقد عبّر الدكتور سعيد الحضرمي عن ذلك بقوله إن المنتدى قدّم رؤية حضرموت بشكل مباشر دون مواربة، محددًا الثوابت الثلاث: السيادة، تقرير المصير، والهوية. وهي رسالة – بحسب تعبيره – لم تعد تقبل التأجيل أو التجربة أو الوعود غير الملزمة.
كما لفت بعض المتداخلين إلى أن الطرح العاطفي، مهما حمل من نوايا حسنة أو رمزية تاريخية، لا يكفي لبناء مشروع سياسي مستقبلي ما لم يكن مؤسسًا على ضمانات واضحة وآليات تنفيذ محددة.
وعلى الرغم من حدة بعض الطروحات، اتسم اللقاء بروح من الاحترام المتبادل. وقد أبدى الرئيس علي ناصر رحابة صدر واضحة، وتحدث بحميمية عن حضرموت ومكانتها الخاصة في وجدانه، مشيدًا بثقلها الجيوسياسي وأهميتها في معادلة اليمن شماله وجنوبه.
وأدار الحوار باقتدار الدكتور صائل بن رباع، بمساندة الدكتور سعيد الحضرمي، في تنظيم دقيق أتاح لجميع المشاركين إيصال رسائلهم بوضوح.






