اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

دعوة الصلاة… حين تختل الصلة بالله يضطرب العالم

دعوة الصلاة… حين تختل الصلة بالله يضطرب العالم

كتب / محمود علي باعباد
الجمعة 27 فبراير 2026

كثيرًا ما ينشغل الناس بتفسير ضيق المعيشة، واضطراب الأحوال، وانتشار الفوضى في المجتمعات، فيُرجِعون ذلك إلى السياسة أو الاقتصاد أو ضعف الإدارة. غير أن نظرات العلماء الربانيين كانت أعمق من ذلك، إذ كانوا يبحثون عن السبب الجذري قبل الأسباب الظاهرة، ويربطون بين صلاح القلوب وصلاح الأحوال.
ومن أبلغ ما قيل في هذا الباب، ما نُقل عن إمام الدعاة في عصره، أحمد بن عمر بن سميط (ت 1257هـ)، حين سُئل عن سبب الفوضى العارمة التي عمّت حضرموت في زمانه، حيث لم يكن يستقر حكم، ولا يطمئن الناس إلى عيش، وكثرت الهجرة، وعمّ السلب والنهب وقطع الطرق.
فجاء جوابه صادمًا في بساطته، عميقًا في دلالته، إذ قال: «ما بالناس إلا دعوة الصلاة».
ما معنى «دعوة الصلاة»؟
قد يبدو هذا التعبير غريبًا لأول وهلة، لكنه عند التأمل يحمل معنى بالغ الخطورة. فالصلاة – كما دلّت النصوص – ليست مجرد أفعال تؤدى، بل كيان حيّ: إمّا أن تكون شاهدة لصاحبها، أو شاهدة عليه.
وقد ورد في الحديث الشريف أن الصلاة إذا أُحسنت، من حيث الوضوء، والركوع، والسجود، والقراءة، والطمأنينة، قالت لصاحبها: «حفظك الله كما حفظتني»، فترفع بنور وضياء، وتشفع له عند ربه.
أما إذا أُدّيت باستخفاف، بلا طمأنينة ولا حضور، فإنها تقول: «ضيّعك الله كما ضيّعتني»، فترفع مظلمة، ثم تُرد على وجه صاحبها.
وهنا يتجلّى معنى «دعوة الصلاة»:
فكم من صلاة تدعو لصاحبها، وكم من صلاة – والعياذ بالله – تدعو عليه.
من الفرد إلى المجتمع
حين تنتشر الصلاة المضيَّعة، لا الصلاة المقامة، يختل ميزان القيم، وتضعف الأمانة، ويغيب الضمير، فتكون النتيجة اضطرابًا في العلاقات، وفسادًا في الحكم، وضيقًا في الأرزاق، ولو كَثُرت الأسباب المادية.
ولهذا كان العلماء يربطون دائمًا بين إقامة الفروض العينية وصلاح المجتمعات، ويرون أن الاستهانة بالوضوء أو الطهارة أو هيئة الصلاة ليست مسألة هامشية، بل هي استهانة بأساس البناء كله.
ومن الخطأ الشائع أن يُقال: «وهل لم يبقَ من الدين إلا الحديث عن الوضوء والصلاة؟»، إذ إن هذا الاعتراض يكشف جهلًا بحقائق الإصلاح؛ فالأمة لا تُصلِح شؤونها الكبرى وهي مفرِّطة في واجباتها الصغرى، بل:
«لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها».
رسالة المقال
إن هذا الكلام ليس دعوة للتقليل من شأن قضايا الأمة الكبرى، بل هو تذكير بأن الطريق إلى إصلاحها يبدأ من المحراب، ومن صلاةٍ تُؤدّى كما أُمرنا، لا كما اعتدنا.
فصلاح الظاهر مرهون بصلاح الباطن،
وصلاح المجتمع مرهون بصلاح الأفراد،
وصلاح الأفراد مرهون بصلاةٍ محفوظة لا مُضيَّعة.
خاتمة
إن «دعوة الصلاة» مفهوم ينبغي أن يُستحضَر كلما رأينا خللًا في حياتنا أو مجتمعاتنا. فقبل أن نُحمّل الواقع كل اللوم، لنسأل أنفسنا:
هل صلواتنا تشفع لنا… أم تدعو علينا؟
نسأل الله أن يجعل صلاتنا مقبولة، شاهدة لنا لا علينا، وأن يرزقنا إقامتها كما يحب ويرضى، وأن يُصلح بها أحوالنا وأحوال أمتنا، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

إغلاق