المقام المقدّس حين يُختطف: الدين بين الوصاية والتكسب والسيطرة
بقلم / أحمد عبدالقادر عمر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 26 فبراير 2026
حين تُلبَس عباءة الدين الفضفاضة، تلك التي تتّسع لإخفاء العيوب وتغطية النفاق، لا يمتلك الجميع تلسكوبًا لكشف ما وراءها. فالغالبية تكتفي بما يُعلن، وتُسلِّم للخطاب الذي يُتقن دغدغة العواطف الدينية، ويُخاطب الوجدان قبل العقل، وهنا تحديدًا تكمن قوة الاستقطاب والسيطرة.
غير أن من يُكلّف نفسه عناء البحث، ومن يُصرّ على نبش السطح اللامع، سرعان ما يكتشف زيف الصورة.
يكتشف شبكة من التلميع المتبادل، وبهرجة خارجية تخفي نوايا غير سليمة، حيث تُستغل المواقع الدينية والاجتماعية لا لخدمة الناس، بل للنصب والنهب باسم الخير والفضيلة.
الأخطر من ذلك أن هؤلاء لا يكتفون بالتكسب، بل يتولّون الوصاية على الناس، فيُصادرون حقهم في الفهم والاختيار، ويُقدّمون أنفسهم أوصياء على الإيمان والضمير.
ينهبون الأوقاف، ويُفرغونها من مقاصدها، ويُغيّرون ملامح الحق حتى يُطمس، ويُشوَّه، ويُصبح نهبه أسهل وأيسر.
وحين يظهر صاحب الحق، أو يرتفع صوت الحقيقة، تبدأ الحرب عليه: تشويه، تخوين، وتحريض. تُكمَّم الأفواه، وتُغلق المساحات، ويُستدعى خطاب جاهز لتبرير القمع باسم “حماية الدين”.
في الوقت ذاته، يُدجَّن فكر السُذَّج، ويُعاد تشكيل وعيهم، بينما يحتمي المتنفذون خلف البلاطجة والمغفلين والمنتفعين، ليبقى المشهد صاخبًا بلا وعي، ومقدسًا بلا أخلاق.
لقد سرق الفاسدون أوطانًا بأكملها وأموال الشعوب، لكن الأخطر أن بعض أصحاب العباءة الدينية سرقوا من البلاد روحها وعقلها.
سرقوا الوعي، وشوّهوا التفكير، واحتكروا الحقيقة، فصار النقد جريمة، والاختلاف خيانة، والتفكير خارج السرب خروجًا عن الدين.
في هذا النمط السائد، لا مكان للحرية، ولا صوت للديمقراطية.
من ينتقد يُخوَّن، ومن يسأل يُتَّهَم، وتبدأ فلسفة جاهزة: شق عصا المسلمين، محاربة الدين، الحرب على الله. تُرفع هذه الشعارات لإسكات العقول، لا لحماية الإيمان.
لا أرى فرقًا جوهريًا بين من يسرق المال باسم القانون، ومن يسرق العقول باسم الدين. هذا يُنصّب نفسه طاغية يتحكم بأموال الآخرين، وذاك يُنصّب نفسه وصيًا على ضمائرهم، يُشكّل عقولهم كما يشاء، ويقودهم حيث يريد، باسم المقدّس.
وحين يتحوّل المقام الديني من رسالة أخلاقية إلى أداة للتكسب والسيطرة، فإن الخطر لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدد الإنسان نفسه: وعيه، وحريته، وحقه في أن يرى الحقيقة بلا أقنعة.






