حين تصنع الجغرافيا نفوذها : قراءة في حضور الحموم الاجتماعي
بقلم / حسن بن سالم العليي
الاربعاء 25 فبراير 2026
ليست الجغرافيا مجرد تضاريس وحدود مرسومة على الخريطة، بل هي عامل خفي يصوغ طبائع الناس، ويعيد تشكيل شبكة علاقاتهم، بل ويؤثر في موازين القوة داخل المجتمعات.. وفي حضرموت، يمكن قراءة تجربة قبائل الحموم بوصفها مثالًا واضحًا على الكيفية التي يتحول بها الموقع الجغرافي إلى عنصر فاعل في صناعة الحضور الاجتماعي..
فالحموم ينتشرون في نطاق جغرافي يتوسط الشرق الحضرمي، ممتدًا من الشحر جنوبًا — التي شكّلت عمقًا تاريخيًا واجتماعيًا لهم — إلى عينات والدعنة قرب قبر النبي هود عليه الصلاة والسلام، مرورًا بتريم شمالًا ووادي عدم غربًا، وصولًا إلى ريدة الشرقية شرقًا. هذا الامتداد لم يكن مجرد مساحة سكن، بل كان فضاءً مفتوحًا للتفاعل، وبيئةً صنعت علاقات متشابكة في أكثر من اتجاه.
من الطبيعي أن تفرز هذه الجغرافيا شبكة علاقات واسعة؛ فقد نشأت صلات وثيقة بين الحموم ومحيطهم من القبائل والمجتمعات المجاورة، مثل التميمي والكثيري والجابري والمنهالي، إضافة إلى مجتمع تريم والجانب الشرقي من الوادي. وفي الشرق، تبدو الروابط أكثر عمقًا بفعل التقارب المكاني وتشابه اللهجات والعادات، وهو ما تعزّز بانتقال بعض الأسر الحمومية إلى المناطق المشقاصية خلال السنوات الأخيرة.
أما الجنوب، فتمثل الشحر فيه نقطة ارتكاز تاريخية، إذ كانت في مراحل مختلفة مركزًا إداريًا واجتماعيًا للحموم، بما يعكس العلاقة العضوية بين المكان والهوية.
في تقديري، إن سر الحضور الاجتماعي للحموم لا يكمن فقط في البنية القبلية، بل في هذا الامتداد الجغرافي الذي أتاح لهم التفاعل مع أطراف متعددة، فوسّع دائرة علاقاتهم، ومنحهم قدرة أكبر على التأثير. فالمجتمعات التي تعيش في نطاق مفتوح ومتصل غالبًا ما تكتسب مرونة في العلاقات، وتتمتع برصيد أوسع من القبول الاجتماعي، بخلاف المجتمعات المحصورة في نطاق جغرافي ضيق.
ولعل الأحداث التي شهدتها الساحة القبلية في السنوات الأخيرة تؤكد أن الثقل الاجتماعي لا يُقاس بعدد الأفراد فحسب، بل بمدى التشابك والامتداد في العلاقات.. فعندما تتقاطع الروابط الاجتماعية مع الامتداد الجغرافي، يتشكل حضور يصعب تجاوزه في معادلة التوازنات.
كما أن التجارب المحلية أثبتت أن الجغرافيا — بتضاريسها ووعورتها — قد تلعب دورًا حاسمًا في لحظات التحول، وهو ما يعزز فكرة أن الأرض ليست عنصرًا محايدًا، بل شريكًا في صناعة الحدث.
إن قراءة واقع الحموم من زاوية الجغرافيا تفتح بابًا لفهم أوسع لطبيعة التوازنات في حضرموت؛ فالموقع المتوسط، والامتداد المتعدد الاتجاهات، والعلاقات المتشابكة، جميعها عوامل أسهمت في ترسيخ حضور اجتماعي فاعل داخل المحافظة وخارجها.
وفي النهاية، قد نختلف في تفسير بعض التفاصيل، لكن يظل من الصعب تجاهل حقيقة أن المكان — في حضرموت كما في غيرها — ليس مجرد أرض، بل قدر يصوغ النفوذ، ويعيد تشكيل موازين التأثير.






