اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

من التأسيس إلى التمكين: جدلية الدولة والهوية في التجربة السعودية بين يوم التأسيس واليوم الوطني

من التأسيس إلى التمكين: جدلية الدولة والهوية في التجربة السعودية بين يوم التأسيس واليوم الوطني

تاربة_اليوم / كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

23 فبراير 2026م

ليست المناسبات الوطنية في معناها العميق مجرد محطات احتفالية عابرة، بل هي لحظات وعيٍ تاريخي تُستدعى فيها الذاكرة الجمعية لتثبيت معنى الدولة وترسيخ شرعيتها في ضمير المجتمع. وفي هذا الإطار يكتسب كل من يوم التأسيس في المملكة العربية السعودية، الموافق 22 فبراير من كل عام، واليوم الوطني في 23 سبتمبر، دلالة تتجاوز الرمز إلى البنية، وتتجاوز الحدث إلى المشروع. فالأول يستحضر لحظة الانطلاق الأولى مع قيام الدولة السعودية الأولى على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727م، فيما يؤرخ الثاني لإعلان توحيد البلاد عام 1932م على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، لتتبلور بين التاريخين قصة دولة تشكلت عبر تراكم طويل من البناء السياسي والاجتماعي والاستراتيجي.
إن العودة إلى لحظة التأسيس ليست استدعاء لذكرى تاريخية فحسب، بل قراءة في ولادة فكرة الدولة في سياق إقليمي اتسم آنذاك بالتفكك السياسي وغياب المركزية المستقرة. فقد مثل قيام الدولة السعودية الأولى في الدرعية تحولًا نوعيًا في هندسة المجال السياسي في شبه الجزيرة العربية، حيث تشكلت نواة كيان سياسي قائم على الشرعية المحلية، والتنظيم الإداري، والتحالف الفكري الإصلاحي الذي منح المشروع بعدًا أخلاقيًا ومعياريًا. ومن منظور علم السياسة، يمكن النظر إلى تلك اللحظة بوصفها تأسيسًا لبنية سلطة قادرة على إنتاج الاستقرار في بيئة مضطربة، وعلى الانتقال من الإطار المحلي إلى فضاء أوسع عبر منطق التنظيم لا منطق الفوضى.
أما اليوم الوطني، فإنه يمثل لحظة اكتمال البناء السياسي وتحول الفكرة إلى دولة ذات سيادة موحدة ومعترف بها دوليًا. ففي إعلان توحيد البلاد عام 1932م انتقل المشروع من مرحلة التكوين إلى مرحلة الدولة المركزية الحديثة، حيث أعيد تشكيل الجغرافيا في إطار هوية جامعة، وتم تجاوز الانقسامات المناطقية لصالح كيان سياسي واحد. ومن زاوية العلاقات الدولية، شكل هذا الإعلان بداية اندماج المملكة العربية السعودية في النظام الدولي الحديث، عبر الاعتراف المتبادل، وبناء العلاقات الدبلوماسية، والمشاركة الفاعلة في المنظومة الدولية. ولم يكن التوحيد مجرد جمع للأقاليم، بل إعادة صياغة للهوية الوطنية ضمن إطار سيادي مستقر، الأمر الذي أسس لمرحلة طويلة من الاستقرار في محيط إقليمي عرف اضطرابات متكررة.
وعند النظر إلى يوم التأسيس واليوم الوطني معًا، تتكشف جدلية الاستمرارية والتحول في التجربة السعودية. فالتأسيس يمنح الشرعية التاريخية الممتدة، بينما يمنح اليوم الوطني الشرعية الدستورية والسيادية الحديثة. وبينهما مسار زمني يقارب ثلاثة قرون، شهد إعادة إنتاج الدولة لذاتها عبر مراحل متعددة، من الدولة الأولى إلى الثانية ثم الثالثة المعاصرة. وهذه الاستمرارية، في بيئة إقليمية عرفت انقطاعات حادة في تجاربها السياسية، تمثل عنصرًا تحليليًا بالغ الأهمية؛ إذ تعكس قدرة الدولة على التكيف مع المتغيرات دون التفريط في جوهرها المؤسس.
ولا يقتصر معنى المناسبتين على البعد التاريخي، بل يمتد إلى البعد الاستراتيجي المعاصر. فالمملكة العربية السعودية اليوم تمثل فاعلًا محوريًا في أسواق الطاقة العالمية، وركيزة في توازنات الأمن الإقليمي، وشريكًا مؤثرًا في ملفات الاستقرار الدولي. والتحولات التي تشهدها في إطار مشاريعها التنموية الكبرى – ولا سيما ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030م – تعكس انتقالًا من مرحلة تثبيت أركان الدولة إلى مرحلة تعظيم دورها وتأثيرها في النظام العالمي. ومن ثم فإن الاحتفاء بالتأسيس والوطنية يغدو تأكيدًا على تلازم الماضي والمستقبل، وعلى أن الشرعية التاريخية ليست عبئًا تقليديًا بل رصيدًا استراتيجيًا يُستثمر في صناعة التحول وإعادة التموضع في النظام الدولي.
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، تمثل هذه المناسبات آليات لإعادة إنتاج الهوية الجمعية وتعزيز الاندماج الوطني. فاستحضار التأسيس يرسخ مفهوم الجذور والعمق التاريخي، فيما يرسخ اليوم الوطني مفهوم الوحدة والسيادة والكيانية الحديثة. وبين الجذر والوحدة تتشكل هوية وطنية متماسكة قادرة على التفاعل مع الحداثة دون أن تفقد اتصالها بأصولها. وهذا التوازن بين الأصالة والتحديث هو أحد أسرار استقرار التجربة السعودية واستمرارها، ويعد نموذجًا لدراسة العلاقة بين التاريخ والشرعية في سياقات بناء الدولة.
إن يوم التأسيس واليوم الوطني ليسا مجرد تاريخين في الذاكرة، بل محطتان في مسار حضاري ممتد، تجسد فيهما مشروع الدولة بوصفه عملية تاريخية متواصلة، تنتقل من التكوين إلى التمكين، ومن الشرعية المحلية إلى الحضور الدولي. إنهما عنوان لاستمرارية سياسية نادرة، وتجربة في بناء الدولة استطاعت أن تحول الجغرافيا إلى وحدة، والتاريخ إلى شرعية، والهوية إلى قوة دافعة نحو المستقبل. وفي هذا المعنى، فإن الاحتفاء بهما هو احتفاء بفكرة الدولة ذاتها، وبقدرتها على صناعة الاستقرار في بيئة متغيرة، وعلى تحويل الذاكرة إلى طاقة استراتيجية تصنع الغد كما صنعت الأمس.
إلى الأمام يا مملكة الخير والسلام.
ربي زدني علمًا، وارزقني فهمًا، والحقني بالصالحين.
ملاحظة: هذا المقال ملخص لورقة بحثية قيد النشر قريبًا، بإذن الله تعالى.

إغلاق