مجالس اللهو في شهر رمضان المبارك .. بين المتعة والغاية
بقلم/ أ. علي عباس بن طالب
الجمعة 20/ فبراير/ 2026م.
*▪️رمضان شهر الطاعة والعبادة، لكنه أيضًا موسم تجتمع فيه القلوب وتتلاقى الأرواح. وبينما نجد من يحرص على اغتنام كل لحظة في الذكر والصلاة وقراءة القرآن،* هناك من يقضي لياليه في مجالس اللهو والغفلة، فتضيع منه البركة، ويخسر المعاني العظيمة لهذا الشهر الكريم.
*رمضان ليس شهراً عابراً في رزنامة الأيام ..* رمضان محطةُ عبورٍ إلى الله .. مدرسةُ تزكية .. وموسمُ عتقٍ ومغفرة .. لكن .. بين أذان المغرب وأذان الفجر، تتحول بعض المجالس إلى مسارح لهوٍ وضحكٍ صاخب، وسهرٍ طويل، وحديثٍ لا ينتهي .. حتى يضيع المقصد، وتبهت الغاية، وينطفئ نور الشهر في القلوب.
*نسأل بصدق:* هل جئنا لنستبدل جوع النهار بلهو الليل؟ هل صمنا عن الطعام لنفطر على الغفلة؟ مجالس اللهو ليست كلها حرامًا بذاتها .. فالابتسامة صدقة، والترويح مباح، والاجتماع على الخير نعمة.
*رمضان ليس شهراً للسهر الفارغ ..* رمضان شهر القيام، شهر القرآن، شهر الدموع الخفية في جوف الليل ، *تخيل .. أنك جلست ثلاث ساعات تضحك وتعلّق وتجادل .. ثم قيل لك:* هذه الساعات كان يمكن أن ترفع درجتك في الجنة، وتغسل ذنوب سنين، وتكون سببًا في نجاتك يوم القيامة…
*ألن يوجعك ذلك؟* كم من مجلسٍ بدأ بالضحك وانتهى بالغيبة .. كم من سهرةٍ أطاحت بخشوع التراويح .. كم من ليلةٍ ضاعت بين “نسولف شوي” و”ما زال الوقت بدري” حتى أذن الفجر ونحن على الأرائك!
*يا أحبة ..* المشكلة ليست في المجلس .. المشكلة في الغاية ، إذا كان المجلس يذكّرك بالله .. فمرحبا به . إذا كان يجمعك على القرآن .. فحيّاه الله ، إذا كان يوقظ فيك روح التوبة .. فهو مجلس بركة ، أما إن كان يسرق قلبك، ويثقل قيامك، ويُميت إحساسك بالشهر .. فهو خسارةٌ مهما كان ممتعًا.
*رمضان أيام معدودات…* والأعمار قصيرة .. ولا أحد يضمن أن يعيش إلى رمضان القادم ، فاسأل نفسك قبل كل جلسة: هل هذه المتعة تقرّبني من الله أم تُبعدني؟ هل هذا المجلس يزيدني نورًا أم يطفئ قلبي؟ ابحثوا عن مجالس تُحيي القلوب لا تميتها…عن جلسات ذكرٍ لا جلسات لغو… عن ضحكةٍ لا تُغضب الله… وعن راحةٍ لا تُضيّع الفجر.
لا يعني هذا أن الفرح ممنوع أو أن الترفيه محرّم، ولكن العاقل من يوازن بين المتعة والغاية العظمى من رمضان. فهل يكون السهر على المسلسلات والألعاب والمجالس الفارغة أولى من صلاة التراويح والتهجد؟ وهل يستوي من قضى ليله في الطاعات بمن أضاعه في أحاديث لا فائدة منها؟
فلنحذر أن يتحول رمضان إلى موسم للهو أكثر من كونه فرصة للتغيير والتقرب إلى الله. ولنجعل من كل لحظة فيه زادًا للروح، وسببًا لمغفرة الذنوب، وفرصةً لا تتكرر إلا مرة في العام.
*رمضان شهر العتق من النيران،* شهر تغلق فيه أبواب الجحيم وتفتح أبواب الجنة، فبأي وجه نقابل هذا الكرم الإلهي بمجالس لهو وسهر على المسلسلات والألعاب والتفاهات؟! كيف نحول ليالي الرحمة والمغفرة إلى ليالٍ تمتلئ بالضحك الفارغ والأحاديث التافهة، وكأننا في سباق لنضيع أثمن فرصة منحها الله لنا؟!
*أيها الغافلون،* تذكروا أن أنفاس رمضان محدودة، وأن كل ليلة تضيع في غير طاعة هي خسارة لا تعوض! فكيف نرجو المغفرة ونحن نستهين بالشهر الذي كان النبي ﷺ يضاعف فيه جهده في العبادة؟ كيف نسأل الله القبول وأيدينا منشغلة بالهاتف، وأعيننا تتابع شاشات اللهو، وألسنتنا غارقة في القيل والقال؟!
*كفى تهاونًا! كفى غفلة!* رمضان ليس وقتًا للعبث، وليس موسماً للمسلسلات والمجالس الفارغة! من أراد الله، وجد الطريق إليه، ومن أراد اللهو، فلن يحصد إلا الندم يوم لا ينفع الندم! فاختر لنفسك: هل تكون من الفائزين أم من النادمين؟!
اللهم اجعل مجالسنا في رمضان مجالس طاعةٍ لا غفلة، ومجالس ذكرٍ لا لهو، واكتب لنا فيه القبول قبل أن تُطوى صحائف الشهر وتُغلق أبواب الموسم.






