اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

فاطر وشاطر وكريم

فاطر وشاطر وكريم

بقلم | عبدالله سالم النهدي
الجمعة 20 فبراير 2026

تثار بين الحين والآخر نقاشات لغوية وشرعية حول بعض الألفاظ الشائعة، يضيَّق فيها واسع اللغة، وتُحمَّل الكلمات ما لا تحتمل من المنع والتحريم، بدعوى الاحتياط أو الغيرة على الدين. ومن هنا تأتي هذه الوقفة الهادئة لتفكيك بعض تلك الدعاوى، وبيان الصواب فيها على ضوء الاستعمال العربي الأصيل، والنصوص الشرعية، والتطور الدلالي للألفاظ، بعيدا عن التعسف وتحجير اللغة التي وسعت القرآن والبيان العربي عبر العصور.
وقد وجدت في شهر رمضان هناك من يقول ( بأن فاطر لايجوز قولها للشخص الذي لم يصم، ففيها مخالفة شرعية، لأن الفاطر من أسماء الله الحسنى. وكذلك كريم لاتقال في وصف رمضان، لأن الكريم هو الله.
نقول في هذا وبالله التوفيق:
أما كلمة فاطر فمن ناحية لغوية نعم. لا تقل فاطرا؛ بل قل مفطراً لأن الفعل ( أفطر ) رباعي اسم الفاعل منه ( مفطر ).
أما من ناحية شرعية فلا شيء فيه، لأن الفعل ( فطر) في اللغة يعني الابتداء والاختراع، وكل من بدأ شيئا واخترعه فهو ( فاطر ) له. وقد استعمل (الفعل) و(اسم الفاعل ) منه في لغة العرب .قال ابن عباس
رَضِيَ اللهُ تعالى عنه : كُنْتُ لا أَدْرِي ما فاطِرُ السَّمَوَاتِ حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يختصمان في بئرٍ فقال أَحَدُهُما أَنَا فَطَرْتُها).
أي ابتدأتها.
ورغم ندرة الاستعمال في استخدامها بهذا المعنى، لكنها صحيحة.

وفي شهر رمضان أيضا وجدت لفظة (كريم) والنهي عن وصف رمضان بها . بحجة أن الكريم هو الله، ورمضان ليس كريما بذاته.
في هذا مجانبة للصواب. فلابأس من وصف رمضان بالكريم، ولا شيء في ذلك كمخالفة شرعية، ولا خطأ لغوي.
لأن كل شيء يشرف في بابه قد وُصِفَ بالكريم .
وكل شيء نَفسَ – من النفاسة- نقول عنه كريم. وما سميت الأحجار الكريمة كريمة إلا لنفاستها
وعموما فقد جاء في القرآن الكريم إطلاق صفة الكريم على موصوفات متعددة نذكر منها:
وصف المَلَك ( واحد الملائكة ) بالكريم في قوله تعالى:
((مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)). يوسف:31
ووصف البشر بالكريم في قوله تعالى:
((وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ )). الدخان:17
ووصف الجماد بالكريم في قوله تعالى:
((قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ )) النمل:29
ووصف النبات في قوله تعالى:
((أنبتنا فيها من كلِّ زوجٍ كريم)) الشعراء:7 .
كما وصف الرزق بالكريم:
((فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ )).الحج:50
ووصف كذلك الأجر بالكريم:
((إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيم )). يس: 11
بل ووصف المكان بالكريم:
“فَأَخرجنَـٰاهُم مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيونٍ *وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم” الشعراء: 57،58
فإذا كان هذا حال المكان ( مقام ) فما المانع أن يوصف الزمان ( رمضان) بالكريم.

ولا ننسى قول كفار قريش يوم الفتح للرسول صلوات الله عليه حينما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم : ((ما تظنون أني فاعل بكم؟ فقالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
فقد وصفوا أباه بالكريم، ولم ينكر عليهم ذلك .

ووجدت فيما وجدت أيضا من فتاوى المتفننين في تحجير اللغة ومحاولة تقزيمها من يقول:
إن إطلاق كلمة ( شاطر ) على الرجل البارع، والماهر أو على الطالب الذكي غير صحيحة؛ لأن الشاطر في اللغة هو الخبيث
وأقول وبالله التوفيق:
الشاطر: من معانيه ( الماكر الذي أعيا أهله خبثا.)
وعلى هذا المفهوم السلبي بنى هولاء فُتْياهم.
والكلمة لها معان أخرى في اللغة منها على سبيل المثال :
المتصف بالدهاء، والحنكة.
وداهية . ومعنى داهية لايحمل مدلولا سلبيا بل هناك المعنى الإيجابي ..
وقد أطلق على معاوية بأنه داهية وعلى عمرو بن العاص كذلك.
كما أن التطور الدلالي للألفاظ في اللغة معروف .. لذا فالدلالة الكلمة ( شاطر ) لايجب أن تقف عند المفهوم السلبي .
وقد ورد استخدام هذا اللفظة في التراث العربي بمدلول غير سلبي .
فالشاطر حسن بطل الحكايات المعروفة، لم يكن خبيثا .. بل كان ذكيا وشجاعا ماهرا.
وعلى هذا نقيس استخدامنا لكلمة شاطر .
اللغة العربية أوسع أفقا وأعمق دلالة من أن تحجَّر أو تقيَّد بفهم واحد جامد، وأن الجمع بين الفقه اللغوي والوعي الشرعي كفيل برفع كثير من الإشكالات المتداولة. فليس كل ما شاع من المنع له أصل صحيح، ولا كل لفظ استعمل على وجه ما يلزم حمله على أسوأ معانيه، بل العبرة بالسياق، والاستعمال، وما جرى عليه لسان العرب قديما وحديثا.

إغلاق