تأجيل الحوار الجنوبي… بين إعادة ترتيب الأوراق ومخاوف الالتفاف السياسي
بقلم / وضاح علي ناشر
الاربعاء 18 فبراير 2026
..
لم يكن قرار تأجيل الحوار الجنوبي حدثاً إجرائياً عابراً يمكن إدراجه ضمن جدول المواعيد السياسية القابل للتعديل. فبعد أن طُرح الحوار بوصفه أولوية ملحّة في أعقاب أحداث يناير، بدا التأجيل وكأنه خطوة تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز مجرد إعادة الجدولة، لتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة المرحلة المقبلة ومساراتها المحتملة.
إعادة ترتيب المشهد أم كسب وقت؟
قراءة المؤشرات المتاحة توحي بأن ثمة عملية إعادة ترتيب تجري بهدوء قبل الدخول في أي استحقاق سياسي قد لا تأتي نتائجه منسجمة مع تطلعات الشارع الجنوبي. فالحوار، في السياقات الانتقالية، ليس مجرد منصة نقاش، بل لحظة مفصلية تعيد تعريف موازين القوى، وترسم حدود الممكن سياسياً.
وفي هذا الإطار، يمكن رصد ثلاثة مسارات متوازية تبدو حاضرة في المشهد.
المسار الأول: الخدمات كأداة تهدئة
التركيز على ملف الخدمات والمرتبات يأتي في صدارة التحركات الراهنة، في محاولة واضحة لامتصاص الغضب الشعبي وتحسين المزاج العام. تقوم هذه المقاربة على فرضية مفادها أن معالجة الاختناقات المعيشية قد تُخفف من زخم المطالب السياسية.
غير أن هذا الرهان يتجاهل بُعداً جوهرياً في القضية الجنوبية؛ فبالنسبة لقطاع واسع من الجنوبيين، لا تختزل المسألة في تحسين الكهرباء أو انتظام الرواتب، بل تتعلق بمشروع سياسي وهوية تشكّلت عبر سنوات من الحراك والتضحيات. وعليه، فإن المعالجة الخدمية، مهما بلغت أهميتها، لا تبدو كافية لإعادة صياغة المزاج السياسي أو إعادة تعريف الأولويات.
المسار الثاني: إعادة هيكلة القوة
المسار الثاني يتمثل في إعادة هيكلة القوات الأمنية والعسكرية الجنوبية، بما يشمل سحب السلاح الثقيل والمتوسط تحت عناوين تنظيمية وإدارية. وفي البيئات السياسية الانتقالية، يصعب النظر إلى مثل هذه الخطوات بمعزل عن حسابات موازين القوة.
فإعادة ترتيب الأدوات العسكرية لا تعني فقط ضبط الأداء الأمني، بل قد تُفهم باعتبارها محاولة لإعادة تشكيل معادلة النفوذ على الأرض، وضمان عدم وجود قوة قادرة على تعطيل أي مخرجات سياسية لا تحظى بإجماع جنوبي واسع.
المسار الثالث: ضبط السردية
أما المسار الثالث، فيتصل بإعادة تشكيل الخطاب السياسي والإعلامي، عبر استقطاب بعض الفاعلين إلى الخارج وإعادة تأهيلهم ضمن رؤية إقليمية تسعى إلى ضبط الإيقاع العام للنقاش. الهدف الظاهر هو توحيد الخطاب وتخفيف حدته، لكن الهدف الأعمق قد يكون منع تحوّل الإعلام والنخب السياسية إلى رافعة لحراك شعبي رافض لمشروع اليمن الاتحادي الذي يجري الترتيب له.
التجربة التاريخية منذ انطلاق الحراك السلمي الجنوبي تشير إلى أن محاولات الالتفاف على المطالب الجوهرية عبر أدوات خدمية أو أمنية أو إعلامية لم تُفضِ إلى نتائج مستقرة. فكلما غاب التمثيل الحقيقي، عاد الشارع ليملأ الفراغ.
بين الوقت والقبول
التجارب السياسية تؤكد أن أي حوار لا يستند إلى إرادة صادقة وتمثيل حقيقي لتطلعات الناس يظل هشاً، حتى وإن توفرت له كل الظروف الشكلية. فالشرعية لا تُصنع في القاعات المغلقة، بل تُختبر في الشارع.
قد يمنح التأجيل وقتاً لإعادة ترتيب الأوراق، لكنه لا يضمن القبول الشعبي إذا جاءت النتائج دون مستوى التوقعات. فالشارع الذي صبر على سوء الخدمات، لا يساوم بسهولة على ما يعتبره جوهر قضيته.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يُمهّد التأجيل لحوار أكثر نضجاً وتمثيلاً، أم أنه مجرد محطة ضمن مسار أطول من إدارة الأزمة دون حلها؟






