صرخةُ طريقٍ منقطع ونداءُ قريةٍ تنتظر… إلى أين وصل مشروعُ جسرِ مدودة
بقلم / ياسر سعيد بن عبيد الله
الاحد 15 فبراير 2026
على امتداد سنواتٍ طويلة، ظلّت منطقة مدودة والقرى المجاورة لها تعيش معاناةً موسمية تتكرر مع كل هطولٍ غزيرٍ للأمطار. فمع تدفق السيول، ينقطع الطريق المؤدي إلى مدينة سيئون، وتتوقف حركة المرور لأيامٍ متتالية، لتبدأ معها فصول العزلة القسرية التي يعرفها الأهالي جيدًا.
ولأن سيئون ليست مجرد مدينة عابرة، بل تُعد القلب النابض لوادي حضرموت، ومركزًا رئيسيًا للوظائف والأعمال، وموطنًا للجامعات والمدارس والمستشفيات والمصالح الحكومية، فإن انقطاع الطريق لم يكن مجرد إرباكٍ عابر، بل أزمة تمس تفاصيل الحياة اليومية.
طلابٌ تتعطل دراستهم، موظفون يتغيبون قسرًا عن أعمالهم، مرضى تتأخر مواعيد علاجهم، وتجار تتكدس بضائعهم في انتظار طريقٍ سالك.
بارقة أمل… ومشروع طال انتظاره في وسط هذا الواقع المتكرر، جاء الإعلان عن مشروع الجسر المعلّق الرابط بين مدودة وسيئون كخبرٍ طال انتظاره. لم يكن المشروع مجرد إنشاءٍ هندسي، بل كان وعدًا بإنهاء سنواتٍ من القلق والترقب، وحلًا جذريًا لمشكلةٍ أثقلت كاهل المنطقة.
في الثلث الأخير من العام الماضي، انطلقت أعمال التنفيذ بدعمٍ من الإمارات العربية المتحدة، وبدأت ملامح الجسر ترتفع شيئًا فشيئًا. كان الأهالي يتابعون تقدّم العمل بشغفٍ واضح؛ فكل دعامةٍ تُثبت، وكل جزءٍ يُنجز، كان يعني اقتراب الخلاص من معاناةٍ طال أمدها.
ومع بلوغ نسبة الإنجاز نحو 80٪، لم يتبقَّ سوى أعمال السفلتة واللمسات النهائية. بدا المشهد وكأن الحلم أصبح على بُعد خطواتٍ قليلة من التحقق.
غير أنّ الأحداث السياسية والأمنية والعسكرية التي شهدتها اليمن، لا سيما في وادي حضرموت، ألقت بظلالها على مسار المشروع. فقد شهدت نهاية العام الماضي ومطلع العام الجاري تطوراتٍ متسارعة وتدخلاتٍ متعددة، أسفرت عن توقف العمل في الجسر، رغم اقترابه من الاكتمال.
توقّف المشروع عند نسبة 20٪ المتبقية؛ نسبةٌ قد تبدو بسيطة على الورق، لكنها في الواقع تمثل الفارق بين استمرار المعاناة وبداية الحل. ومنذ ذلك الحين، بقي الجسر قائمًا بهيكله شبه المكتمل، شاهدًا صامتًا على حلمٍ معلّق بانتظار قرار.
بين الواقع والطموح لم يكن توقف المشروع مجرد مسألة إنشائية، بل ترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا واضحًا في نفوس الأهالي. فبعد شهورٍ من التفاؤل، عاد القلق من جديد، وعادت الأسئلة نفسها: هل سيُستكمل المشروع؟ ومتى؟
إن استكمال الجسر لا يعني فقط تسهيل حركة المرور، بل يحمل أبعادًا تنموية أوسع؛ فهو يسهم في:
تأمين تنقّل آمن خلال مواسم السيول.
دعم الحركة الاقتصادية والتجارية بين مدودة وسيئون.
ضمان استمرار العملية التعليمية دون انقطاع.
تعزيز الاستقرار المجتمعي وتقليل المخاطر المرتبطة بالطرق البديلة.
نداء إلى الجهات المعنية اليوم، يطالب أهالي مدودة الجهات المختصة في محافظ محافظة حضرموت، ووزارة الأشغال العامة، باستكمال ما تبقى من المشروع، خاصةً مع اقتراب شهر الخير؛ شهرٍ تتجدد فيه الآمال، وتُستحضر فيه قيم العطاء والمسؤولية.
فالجسر لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية، بل أصبح قضية مجتمع، ورمزًا لحقٍ أساسي في طريقٍ آمن ومستقر. إن إنهاء نسبة الـ20٪ المتبقية سيطوي صفحةً طويلة من المعاناة، ويفتح بابًا جديدًا للتنمية والاستقرار.
يبقى الأمل حاضرًا في قلوب الأهالي، بأن يتحول هذا الجسر من حلمٍ معلّق إلى واقعٍ مكتمل، يعبر عليه الناس بأمان… لا بخوفٍ من سيلٍ قادم أو طريقٍ منقطع.






