الجنوبيون بين وهم الدولة وواقع السياسة الدولية
بقلم / نايل عارف العمادي
في سنوات الحراك الجنوبي الأولى وتحديدًا منذ عام 2008 كانت متعصب جدا وكان هناك امل بإمكانية استعادة الدولة مثل كثيرين من أبناء الجنوب انخرطتُ حينها في كل فعالية وشاركت في المظاهرات التي كانت تقام حتى في مدن بعيدة مثل المكلا معتقدًا أن الزخم الشعبي وحده قادر على تحقيق الانفصال خلال المظاهرات والفعاليات كنا اغبياء ولازال هنآك منهم أغبياء حتى اليوم ويفكر بنفس تلك العقلية.
وكنت أعتقد أن الانفصال اقترب أكثر كلما سلّطت القنوات التلفزيونية الضوء على تلك التحركات أو عندما يكتب أحد الكتّاب مقالًا يصوّر المظاهرات كقوة تهزّ أركان نظام صنعاء غير أن الواقع كان أكثر تعقيدًا وبعيدًا عن تلك الصورة المثالية التي كنا نتصورها.
ففي خلفية تلك الأحداث كانت هناك أطراف تعمل لصالح النظام السابق بقيادة علي عبدالله صالح تتسلل إلى صفوف الحراك وتدفع نحو أعمال شغب واعتداءات على الممتلكات العامة والخاصة ومع كل حادثة كانت وسائل الإعلام الدولية تجد مادة تُظهر الجنوبيين كمجرد مجموعات من المشاغبين تهدد الأمن العام ولأن تلك الصورة كانت الأقرب إلى الوقائع الميدانية فقد صدّقها العالم.
ومع مرور الوقت أخذت فصائل جديدة تظهر داخل الحراك بأسماء وقيادات متعددة سرعان ما اتضح أن بعضها كان مرتبطًا بالنظام السابق بشكل مباشر أو غير مباشر ما جعل الكثير من الجنوبيين وأنا منهم يدركون صعوبة تحقيق أي مكسب سياسي يتجاوز ما كان يريده النظام في حينه.
ومع سقط نظام صالح عاد الجنوبيون إلى الساحات مطالبين بالانفصال لكني لم أكن معهم فقد صرت أكثر وأعيا ومثلي القيادات التي كانت تتصدر الحراك في زمن صالح عادت لتعلن ولاءها للرئيس عبدربه منصور هادي وللوحدة فيما ظهرت قيادات جديدة أعادت إنتاج الخطاب نفسه الي وبيع الوهم للشعب الجنوبي.
ومع مرور السنوات تبيّن أن الخطاب الذي روّج لوهم الدولة الجنوبية كان يتاجر بمعاناة الناس وهو يعلم يقينًا أن المجتمع الدولي يرفض تقسيم اليمن وأن أقصى ما يقبله العالم هو مشروع الأقاليم الذي أُعلن في مؤتمر الحوار الوطني.
والأحداث الأخيرة جاءت لتضع النقاط على الحروف فالمجلس الانتقالي مُنح نفوذًا واسعًا لكن عندما حاول فرض الانفصال بالقوة جرى التعامل معه باعتباره تمردًا يهدد السلم الأهلي وجاء الموقف الدولي موحَّدًا في رفض ذلك المسار.
ومن هنا فإن واجب أبناء الجنوب اليوم أن يحافظوا على ما تحقق من مكاسب سياسية وأمنية وأن يقفوا إلى جانب المخلصين من قياداتهم ضمن الإطار الإقليمي والدولي القائم فالمظاهرات وأعمال الشغب لم تكن يومًا طريقًا لتحقيق الدولة بل كانت مصدرًا لسقوط ضحايا أبرياء دون أي نتيجة تُذكر ولو كان قيام جنوب جديد ممكنًا عبر تلك الأدوات لكان تحقق في ذروة قوة المجلس الانتقالي.
واللحظة الراهنة تتطلب عقلانية سياسية ووعيًا بأن استقرار الجنوب لا يتحقق بالشعارات بل بالعمل المؤسسي والانخراط في مشروع الدولة اليمنية الحديثة ضمن توافقات إقليمية ودولية لا يمكن تجاوزها.






