داؤُك منك ودواؤك فيك !!
كتب / عبدالله صالح عباد
السبت 14 فبراير 2026
الأخلاق هي وسام رفيع يجب أن يكون على رأس كل إنسان مهما كان ، فهي التي ترفعه وتجعله في أعين الناس إنسان ذو هيبة وله احترامه ، ويثق الناس فيه لأخلاقه وما تواضع إنسان إلا رفعه الله . وأما إذا كان عكس ذلك أن يكون الإنسان ذو أخلاق سيئة فيسقط من أعين الناس ولا تكون له هيبة ولا احترام ولا ثقة فيه ، فالمجتمع طبعا مليئ من الصنفين فلن تقوم للمجتمع قائمة إلا بالأخلاق الفاضلة الحسنة . تعالوا بنا نبحر مع خطبة رائعة للشيخ عبدالله باحميد عن منزلة الأخلاق فنقطف منها ثمرات لتعيننا على تصحيح السلوك لنرقى بأخلاقنا ونبني مجتمعنا لأن بالأخلاق تبنى الأوطان . أنقل لكم أبرز ما فيها :
مما قال الشيخ : كل الناس يتكلمون عن الأخلاق الحسنة الفاضلة ، ويذمون الأخلاق السيئة الرذيلة ويذمون أهلها ، ولو كانوا في السلوك والعمل على مستوى ما يتكلمون به لصلحت الأحوال وانضبطت الحياة وعاشوا في سعادة وهناء ، لكن ماذا نقول إذا انفصل الكلام عن العمل ، وهذه مصيبة في هذا الزمن . إن للأخلاق الفاضلة أهمية عظمى في حياة الإنسان تفوق الحاجة إلى الطعام والشراب والدواء ، ذلك أنه بالطعام والشراب إنما يربي جسمه ويقويه ، وبالأخلاق الفاضلة يربي قلبه ويصلحه ويزكي نفسه ، وإن الحساب يوم القيامة ودخول الجنة يكون على أساس ما في القلوب ولا عبرة بضخامة الأجسام وكثرة الكلام . فإن الله عز وجل يقول : [ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴿٨٨﴾﴿٨٩﴾ ] سورة الشعراء . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ) . بالأخلاق الفاضلة يعيش الناس حياتهم السعيدة في الدنيا ويصيروا إلى حياة أسعد في الآخرة ، بالأخلاق الفاضلة تسعد الحياة ويسعد الناس ، وبالأخلاق السيئة تشقى الحياة ويشقى الناس ويكثر النكد ، فالأمر كله يدور على الخلق ، الإنسان بدون مكارم الأخلاق يصبح عديم الخير والفائدة كثير الشر والضرر ، ضعيف الإيمان ، وربما عديم الإيمان ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعا إذا رفع أحدهما رفع الآخر ) . وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( إن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء ) فالحياء هو محور جميع الأخلاق ، وكم من الناس يعيش بلا حياء يمنعه من فعل القبيح فماذا يبقى له من الإيمان إذا عُدِمَ حياؤه؟ ورذائل الأخلاق سموم قاتلة تفوِّت على صاحبها سعادة الدنيا والآخرة . واليوم عظم الاهتمام بالدنيا وبالأموال بالعلم الدنيوي والفكر والسياسة ونحو هذا . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ( الدين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين ) ، كلام عجيب قد أعرضنا عنه ، ومع الأسف تغافلنا عن هذا كله ولم نبالِ بأخلاقنا التي هي عنوان إيماننا واستقامتنا . وتركنا المهم الضروري ، ذهبنا بلا مبالاة انتصرنا لأنفسنا ولأقوالنا ومواقفنا ، ننتصر لأحزابنا وجماعاتنا ولو بالكذب والافتراء والطعن الظالم ولم نبالِ بالخلق . وفي بيان أهمية الأخلاق ومنزلتها في الإسلام يقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . تأملوا هذا الحديث فالنبي صلى الله عليه وسلم بعث بدين شامل كامل فيه كل التشريعات التي تحكم الدين والدنيا ، يلخص الغاية من بعثته في إصلاح الأخلاق .
إن أزمتنا اليوم إنما هي في أزمة خلق ، وإن مصيبتنا اليوم إنما هي في سوء الخلق ، ساءت الأحوال واضطربت الحياة لا لأننا فقراء ولا لأننا جوعى ، ولا لأننا مرضى ، ولا لأننا عراة ، ولكن لأن الأخلاق ساءت ، ساءت أخلاق كثير من الناس حتى صار سوء الخلق وَسمِةً في المجتمع فتنكد العيش وعشنا في حرج شديد . كم تنكشف السوءات بسوء الخلق عورات النفس كم تنكشف بسوء الخلق ، وإن للنفس عورة كما للجسم عورة فستر عورة الجسد بالملابس وستر عورة النفوس بالتقوى وحسن الخلق . كم زين الشيطان للناس كشف العورتين في الوقوع في الرذائل ، وحقيقة الجمال إنما يتمثل في حُسن الخُلق .
بفساد الأخلاق تتقطع أواصر وعلاقات ، يتنافر الأصدقاء بسوء الخلق ، تفشل العلاقات الزوجية بسوء الخلق ، يتفرق الأشقاء ويتنافرون بسوء الخلق . تنفض شراكات بسوء الخلق ، تسقط دول وأنظمة وأحزاب بسوء الخلق . اقرأوا التاريخ تجدوا أكبر أسباب السقوط والانهيار الظلم وفساد الأخلاق ، وهنا يتجلى قول نبينا صلى الله عليه وسلم : ( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ) . انتهى مقتطف من كلام الشيخ حفظه الله .
الأخلاق تتكون من التربية السليمة ، التي تستخلص من العلم ، وتتكون من القدوة الرشيدة التي عاصرت في التعامل مع أصناف البشر . وفي زماننا طالما ضعف التعليم ، وكادت التربية الحسنة في الانهيار ، والقدرات من وراء الستار ، فمن أين يتخلّق الناس بأخلاقٍ ترفع شأنهم ، وشأن مجتمعاتهم في كل أحوالهم؟ .
في الختام : نحن على أبواب رمضان : ها هي الأيام تجري بسرعة وها هو رمضان قادم فهل يجدي فينا كلام الشيخ ونحسّن أخلاقنا . فانتبهوا على دينكم ودنياكم وعلاقاتكم وكل حياتكم . احذروا عليها من سوء الخلق فإنه المهلك المدمر . فداؤك منك ودواؤك فيك .






