اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

موافقات بين الشعر الفصيح والشعبي “1”

موافقات بين الشعر الفصيح والشعبي “1”

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : سالمين سعيد بنقح
13 فبراير 2026

ثمة علاقةٌ وطيدة بين الشعر الفصيح والشعر الشعبي وذلك من ناحية المعاني المشتركة والأفكار التي هنا وهناك فالمعاني كما يقول الجاحظ مطروحة في الطرقات وقد كانت لدي بعض المحاولات التي ما زالت مستمرة بين الحين والآخر لجمع أكبر عدد ممكن من الموافقات الشعرية بين الشعبي والفصيح فمن هذه الموافقات مثلًا يقول المحضار في قصيدته الرائعة:
“في النفس يا مكثر الأصحاب
إنما صاحبك وقت الضيق”
وهو هنا يقصد أنّ وقت الرخاء يكثر أصحاب الإنسان وأحبابه ولكنّ كثرتهم هذه لا يعوّل عليها فالجميع سيتواجد ما دامت الأمر على ما يرام وإنما المقياس في صدق إخاء المرء وقت الشدائد فالصديق يظهر معدنه الأصلي عند الشدة، وهذا يوافق تمامًا قول الشاعر الفصيح:
“ما أكثر الأصحاب حين تعدّهم
لكنهم في النائباتِ قليلُ”
وهذه الموافقة جميلة جدًا على الرغم من أنّ الفكرة موجودة وبسيطة جدًا وقلة هم الشعراء الذين يلتفتون لها ويضعونها في قالبٍ شعري جميل يليق بها وقد يكون هناك شعراء وفقوا في ذلك ولكنني لم أهتدِ إلى أبياتهم تلك؛ ولكنّ المحضار رحمه الله كعادته يبدع في صياغة الكلام ويلبسه حللهُ المحضارية التي تليق به فالمفردة “المحضارية” لها خصوصيتها وتفردها فقد جعل لنفسه بصمة خاصة يُعرف بها حتى أنك لو قرأت قصيدة لم يكتب عليها اسم شاعرها وهي للمحضار ستعرف من خلال أسلوبه الفريد أن تميز أنها له وهنا تكمن فردانية هذا الشاعر الكبير.

الموافقة الثانية هي للشاعر الكبير الراحل عبدالله باصرّة رحمه الله وهي غايةٌ في الجمال والعذوبة وكثيرًا ما رددتُ هذه الأبيات والدهشة تملأ قلبي كيف له أن يأتي بهذا المعنى وهو ربما لم يطلع على الأبيات التي قيلت في هذا بل إنّها هي ولكنها في حُلة شعبية جميلة جدًا يقول باصرة:
“وحدة من عيوني بكت
على فراق مظنوني
وذي هي ما بكت
غمضتها يوم اللقاء
واحرمتها شوف الظنين”
يقول ببساطة: أنّ إحدى عينيه انفجرت بالبكاء على فراق من يحب والعين الأخرى لم تبكِ كأختها وبعد أن دارت الأيام والتقى بمن يحب أغمض هذه العين التي لم تبكِ في ساعة الفراق!، عاقبها بأن أحرمها النظر في وجه من يحب وهذا قمة الحرمان فلا لذة تساوي لذة النظر إلى المحبوب في لحظة جميلة كهذه، لحظة اللقاء بعد طول غياب فجميع الحواس تبتهج بعودة هذا الحبيب الذي تعود معه الحياة بعد أن كانت قد غادرت.
ويوافق هذا المعنى الجميل في الفصيح قول الشاعر:
“بكت عيني غداة البين دمعًا
وأخرى بالبكا بخلت علينا
فعاقبت التي بالدمع ضَنت
بأن أغلقتها يوم التقينا”
لا تقل أبيات باصرّة جمالًا عن هذه وبالطبع فالأبيات الفصيحة أقدم من أبيات باصرّة ولكن الفكرة واحدة والمعنى واحد فيوم الفراق كما قال عنه أبو تمّام:
“يومُ الفِراق لقد خلقت طويلا
لم تُبقِ لي جلدًا ولا معقولا
لو حار مُرتاد المنية لم يجد
إلا الفراق على النفوس دليلا”

وللمحضار أبيات سيّارة أشهر وأكثر من أن تُعد وذلك لِما فيها من جزالة في المعنى وإن كان اللفظ أحيانًا عاديًا لكنه يستمد قيمته من المعنى العميق الذي يريده الشاعر والذي يتبين للقارئ المتأمل الذي يسبر أغوار النص فيخرج منه اللألئَ والدُرر الثمينة وقليلٌ ما هم، فثمة قارئٌ لا يجد دهشة النص إلا من خلال الإقاعات المصاحبة والمقصود هنا أنه يطرب للنص عندما يُغنّى ولو سألته عن معنى ومراد الشاعر لما استطاع أن ينبس ببنت شفة وهذا في الغالب إنما يطربه الأداء الفني للنص وهناك القارئ الفاحص الذي لا تفوته شاردة ولا واردة في النص يحلله تحليلا أدبيا وفنيا وهذا هو الذي وجد سر النص الحقيقي وربما كان هو الأقرب لفهم مراد الشاعر الذي يبقى المعنى محبوسًا في بطنه لا يعلم به أحد إلا من أعمل عقله وفكرة وتذوق النص بعيدًا عن المؤثرات الأخرى فعندما يحلل النص ويقف على كل كلمة ومعناها في اللغة سواء الفصحى أو اللهجة العامية يستطيع أن يستشف من كل كلمة معنى مختلفًا ليكوّن في الأخير معنى جميلًا وعذبًا يتوافق مع سياق الأبيات الشعرية وهذا يقودنا إلى الموافقة الثالثة وهي من شعر المحضار وامرئ القيس وبينا الأول والأخير ما لا يحصى من السنن ولكنّ معناهما واحد وإن اختلفت صورته يقول المحضار في قصيدته: “يا نسيم السحر سلم على ظبي عيديد”
“فوق محور تربى ما رُبي فوق كودة
زاد شوقي أبا باشوف في القرب عودة 
أي ليلة بقربه باتهل ليلة العيد
يا نسيم السحر سلم على ظبي عيديد”
وهذه القصيدة لها حالتها الخاصة وكل بيت فيها له خصوصيته ورمزيته ودلالته الجمالية وهي قصيدة مفعمة بالجمال والإتقان ويمكن تأويلها بأكثر من معنى وكل معنى من هذه المعاني يولد معانٍ أخرى كلها مدهشة وجميلة ولكنني هنا بصدد الحديث عن هذا المقطع منها يقول أنّ هذا (المحبوب) تربى في مكان عزٍ وشرف ولم ينشأ ويتربى في مكان عادي “فالكودة” هنا رمز للمكان العادي (والمحور) دِلالة على المكان العالي وهو بيت العز والشرف والمكانة العالية والكودة في اللهجات المحلية بمعنى التل الصغير.
ثم يقول لقد زاد اشتياقي لهذا المحبوب الذي طال غيابه عني وهذه الروح التي بين جنبّي تتوق للقاء والعودة فكل ليلة بقرب هذا المحبوب تهلُّ معها ليلة العيد وهذا يشبه قول الشاعر:
“ما مرّ طيفكَ إلا وابتسمت له
كأنك العيدُ والباقون أيّامُ”
وفي معنى قول المحضار يقول امرؤ القيس في معلقته:
وقد تكرر هذا المعنى عنده-أي معنى أنّ هذه المحبوبة ن دار عزٍ وشرف وعندها من الخدم والحشم ما يفعلون لها ما تريد فهي ليست بحاجة إلى أن تقوم بأي شيء سوى أنها تنام وتصحو متى ما شاءت:
“وتضحي فتيتُ المسكِ فوق فراشها
نؤوم الضُحى لم تنتطق عن تفضلِ”
وغير ذلك من الأبيات التي وردت في فصل محبوبته (فاطمة) وهذه دِلالة واضحة على أنّ هذه المحبوبة من بيتِ سؤددٍ وجاهٍ كبير وهي كما قال المحضار “تربت فوق محور”.
تكمن معالم الإبداع عند الشاعر الفذّ أنه لا يعيطك المعنى مباشرًا هكذا وإنما يُشير إليه إشارات فقط وبعد ذلك يأتي دور المتذوق والناقد اللذان يحللان النص ويستخرجان منه الشهد الذي يرتشفه القُراء فيتلذذون بالنص وتصبح له قيمة أخرى فوق القيمة التي له
وقصيدة المحضار هذه كما ذكرت آنفًا لها خصوصيتها الشعرية والجمالية وكل بيت فيها مرتبط بأشياء فقد يراها البعض أبياتًا غزلية عادية وقد يراها البعض أنّ لها ارتباط وثيق بشخصية ما لها مكانتها عند طائفة معينة وهذا ما تحدثت به مرةً مع صديقي وأستاذي العزيز محمد علي باعيسى في إحدى المرات ففتح عينيَّ على أمورٍ لم أكن أعلمها فأصبحت أنظرُ للقصيدة بدهشة أكبر من الدهشة الأولى التي شعرت بها في أول اكتشافي لها
وقد أفرد لها مقالة خاصة أتحدث فيها عن جمالية هذا النص وأسراره مقتبسًا جذوةً من جذوات أستاذي العزيز أبي علي أو لعلي أطلب منه أن يفرد لها مقالة خاصة يحللها فيها ويبرز مكامن الجمال فيها فقد صَحبَ المحضار كثيرًا وغاص في شعره حتى امتلأ به وفاضت نفسه الشعرية التوّاقة بالجمال بأحلى الدرر وأبهى الجواهر.
تقول العرب: يكفي من القلادة ما أحط بالعنق.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق