” الرقص مع الذئاب “
كتب / بدر سالم الجابري
الجمعة 13 فبراير 2026
تعيش حضرموت اليوم حالة معقّدة من التناقض بين ما تمتلكه من مقومات الدولة، وما تعانيه فعلياً من اختلال في إدارة شؤونها. فهي أكبر محافظات اليمن مساحة، وتضم موانئ ومطارات ومنافذ برية وبحرية، وتمتلك موقعاً استراتيجياً وثقل تاريخياً واقتصاديًا، ومع ذلك ما زالت بعيدة عن امتلاك قرارها الإداري والأمني الكامل في القضية الحضرمية .ليست دعوة انفصال، ولا صراع نفوذ، ولا محاولة لخلق كيان على حساب الآخرين، بل هي مطالبة طبيعية بحق الإدارة الذاتية العادلة، التي تضمن لأبناء حضرموت إدارة محافظتهم وحمايتها، أسوةً بغيرهم في الشمال والجنوب . حضرموت كانت كياناً سياسيا، وتاريخ عريق قبل تشكل الدول الحديثة في اليمن. وهي أرض حضارة، وعلم، وتجارة، وهجرة سلمية صنعت لها حضورًا عالميًا مميزًا. هذا الإرث لم يُبنَ بالقوة أو الفوضى، بل بالحكمة، والانضباط، واحترام القانون، وهي ذات القيم التي ما زال المجتمع الحضرمي يتمسك بها حتى اليوم.
غير أن حضرموت، رغم هذا كله، ظلت لفترات طويلة ساحة مفتوحة الصراعات سياسية وأمنية لا تعبّر عن إرادة أهلها، وتُدار أحيانًا بمنطق المصالح العابرة لا بمنطق التنمية والاستقرار. مما جعل أبناء حضرموت وكأنهم مطالبون دائماً بالتكيف المستمر مع قوى متعددة، في حالة يمكن وصفها مجازاً بـ “الرقص مع الذئاب”؛ أي التعايش القسري مع أطراف لا ترى في حضرموت إلا مورداً أو مساحة نفوذ .المشكلة الجوهرية لا تكمن في غياب الكفاءات الحضرمية، بل في تغييبها. فحضرموت تزخر برجال دولة، وخبرات إدارية، وكفاءات أمنية واقتصادية أثبتت نجاحها داخل اليمن وخارجه. لكن هذه الكفاءات كثيراً ما تُستبعد عن مواقع القرار داخل محافظتهم، ما يخلق فجوة بين المجتمع والسلطة، يضعف الثقة والاستقرار، تمكين أبناء حضرموت من إدارة شؤون محافظتهم أمنياً وإدارياً ليس تهديداً لوحدة اليمن، بل ضمانة حقيقية لاستقراره. فالتجارب أثبتت أن الاستقرار المحلي القائم على قبول المجتمع وإدارته لشؤونه هو أساس الاستقرار الوطني. وحين تشعر حضرموت أنها سيدة نفسها، سينعكس ذلك أمناً وتنميةً ليس عليها وحدها، بل على اليمن شمالًا وجنوباً.
حضرموت لا تطلب امتيازات استثنائية، بل تطالب بالمساواة والعدالة. تطالب بأن يكون أبناؤها هم من يحمون أرضهم، ويديرون مؤسساتها، ويقررون أولويات تنميتها، ضمن إطار الدولة والقانون.
إن استمرار تهميش القرار الحضرمي، أو التعامل مع حضرموت بوصفها مساحة مفتوحة للتجاذبات، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمات. آن الأوان للانتقال من مرحلة “الرقص مع الذئاب” إلى مرحلة الشراكة العادلة والتمكين المسؤول. آن الأوان أن تترك حضرموت لأهلها .






