جيفري إبستين في كل بيت
بقلم: أحمد عبدالقادر عمر بن الشيخ أبو بكر
الخميس 12 فبراير 2026
حين يُذكر اسم جيفري إبستين، يظن كثيرون أننا نتحدث عن فضيحة بعيدة، عن شخص انتهى أو قضية لا تمسّنا بشكل مباشر. لكن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير. نحن لا نتحدث عن رجل واحد، ولا عن جزيرة معزولة، بل عن منظومة فكرية ونفوذ ممتدّ يمسّ كل أب وأم في هذا العالم.
فضيحة إبستين ليست جريمة عابرة، بل نافذة كُشف من خلالها جزء صغير من شبكة ضخمة، تضم أصحاب نفوذ يتحكمون بالأنظمة، بالقوانين، بالمنصات الرقمية، بالمحتوى، وبالتكنولوجيا التي يتفاعل معها أبناؤنا يوميًا، بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه العوالم الرقمية لا تنشأ من فراغ، بل تُصمَّم وتُدار وتُوجَّه وفق أفكار ومصالح، بعضها يشترك – للأسف – مع العقلية ذاتها التي صنعت مأساة إبستين.
الخطر ليس تهويلًا ولا تخويفًا، بل واقع موثّق. فقد كشفت التسريبات أن من بين المتورطين شخصيات تملك أو تؤثر في شركات ألعاب إلكترونية ومنصات تواصل اجتماعي. الأخطر من ذلك أن شهادات بعض الضحايا أشارت إلى تجنيد أطفال بالفعل عبر الإنترنت، من خلال الألعاب أو المحادثات أو الإغراء التدريجي بالمال أو الامتيازات، وصولًا إلى الابتزاز أو اللقاء المباشر.
الطفل حين يكون على الإنترنت، قد يبدو منشغلًا بلعبة أو مقطع فيديو بريء، لكنه في الحقيقة قد يكون عرضة للتواصل مع شخص مجهول، قد يكون نسخة أخرى من إبستين، أو جزءًا من شبكة لم تُكشف إلا جزيرة واحدة من جزرها، بينما لا يزال العقل المدبر خلف الستار، يعيش بيننا دون أن نشعر.
فهل يوجد حل؟
نعم، على الأقل لتقليل الضرر.
أول هذه الحلول هو الرقابة الأسرية الواعية: مراقبة استخدام الهواتف والأجهزة اللوحية، تفعيل خصائص الرقابة الأبوية، معرفة نوعية التطبيقات والألعاب، ومنع التواصل مع الغرباء. كثير من هذه الأدوات متاحة في جميع الأجهزة، ويمكن ربطها بهواتف الوالدين. وبحكم خبرتي في مجال الحاسب والإنترنت، أؤكد أن الإهمال هنا ليس جهلًا، بل تفريطًا.
لكن المشكلة أعمق من مجرد أجهزة. نحن لا نواجه فقط سؤال: كيف نسيطر على ما يتلقاه أبناؤنا؟
بل سؤالًا أخطر: كيف نربّيهم في عالم يراقبنا حتى ونحن خلف شاشات مغلقة؟ عالم تُجمع فيه بياناتنا، وتُحلل سلوكياتنا، ثم يُعاد توجيهنا دون أن نشعر.
التربية اليوم لم تعد رفاهية ولا مجرد توفير احتياجات مادية. إنها مسؤولية ثقيلة تحتاج وعيًا، وصبرًا، وعملًا يوميًا. لا تقوم على السيطرة ولا على العزل، بل على بناء العلاقة: الحوار المفتوح، الثقة، التعليم، والقدرة على الاستماع. فالتربية ليست فعلًا فطريًا تلقائيًا، بل مهارة تُتعلَّم وتُمارَس.
ومن هنا تأتي أهمية ربط تربية الأبناء بالقيم الإسلامية والعربية الأصيلة. فهذه القيم لم تُشرَّع عبثًا، بل جاءت كمنهاج متوازن يناسب الإنسان نفسيًا وأخلاقيًا. تربية الأبناء على القوة والمسؤولية، وتربية البنات على الحياء والكرامة والرحمة، ليست تمييزًا، بل تلبية لاحتياج نفسي وعصبي يحميهم من الانهيار في عالم قاسٍ.
وأخيرًا، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق:
ما الذي تأثرنا به من الغرب؟
وهل توجد ممارسات غير طبيعية أصبحت تُقدَّم لنا كأمر طبيعي؟
أمور صرنا نخجل من مناقشتها، أو نعتبرها “حساسة”، مثل التفريط في الحياء، العلاقات قبل الزواج، التطبيع مع التنمر، أو السخرية المهينة؟
هذه الأسئلة ليست دعوة للانغلاق، ولا للسيطرة، ولا للعزل، بل دعوة للفهم. أن نفهم ما يحدث حولنا، وما يحدث داخل بيوتنا، وأن نتعامل مع التربية بجدية تامة، كما نهتم بمظهرنا أمام الآخرين.
لأن جيفري إبستين لم يكن حالة فردية…
وإذا لم ننتبه، فقد يكون موجودًا في كل بيت، بشكل أو بآخر.






