قوات درع الوطن..بين فِقه “المُحلِّل” وهندسة “الحلَّال”
بقلم: م/أحمد صالح الغلام العمودي
الثلاثاء 10 فبراير 2026
تمهيد: أزمة الماهية وسؤال ” أَيش من طاهشة” ؟!
يقوم مبنى المقاربة في هذا المقال على ثنائية لغوية مراوغة، تضرب بجذورها في جذر (ح ل ل)؛ حيث يلتبس لفظ “المُحَلِّل” بلفظ “الحَلَّال” في ظاهرة من المشترك اللفظي الذي تتوحد أصوله وتفترق مقاصده. فبينما يمثل “المُحَلِّل” في الفقه والقانون تلك الأداة الوظيفية العارضة التي تُستدعى لشرعنة “العودة” بعد قيام حائلٍ مانع من الوصال، نجد أن “الحَلَّال” في العُرف والممارسة السياسية هو “المُحلحِل” للعُقَد والمُهندس للمخارج الصعبة. ورغم هذا التباين في الوظيفة والمقصد، إلا أن اللفظين يلتقيان في نهاية المطاف عند نقطة جوهرية واحدة؛ وهي القدرة على إيجاد الحلول للأزمات. هذا التمَّاس الدلالي هو التوصيف الدقيق، لدور ووظيفة “قوات درع الوطن”.. ففي المنطق التكتيكي لوظيفتها، كما نراه يتجلى للعيان ونتمنى أن تخيب ظنونا، فهي تقوم بوظيفة “المُحلِّل” الذي يُراد به تبرير استدامة نفوذ صنعاء، أي إعادة وتجديد احتلال الجنوب وحضرموت الذي حصل في 1994. وفي المقابل، يبرز الخطاب الإعلامي، أو هكذا يتمنى الكثيرون، تقديمها في صورة “الحلَّال” المُرْتَجَى لفكِّ عُقد الواقع المثقل بالأزمات؛ بدءاً من سدّ الفراغ الأمني، بما في ذلك حلحلة عقدة المنطقة العسكرية الأولى وإنهائها من جذورها، وصولاً إلى الوعود بضبط الانفلات الخدمي والمعيشي.. فأي دور لها يا تُرى: دور المحلِّل أم دور الحلَّال؟ أمّا الجمع بين الدورين، فيما نعتقد، فهو باطل سياسي: فكيف يستقيم أن يكون بقاء المنطقة العسكرية الأولى حلاً، بينما هي في جوهرها أحد أبرز تجليات أزمة حضرموت؟ فالجمع بين النقيضين، لا ينتج سوى التِيه، ولن يؤدي إلا إلى إضافة مستوى أو طبقة جديدة من طبقات الصراع المستمر.
وفي ظل ما تُثيره هذه التشكيلات العسكرية من تساؤلاتٍ حول طبيعة أدوارها ونطاق مهامها، في بلدٍ يفيضُ أصلاً بتشكيلات عسكرية، لو قُدِّر لها أن تجتمع لكان في إمكانها ما يكفي أن تحرق الجزيرة العربية كلها، فإنَّ هذه الإضافة العسكرية الجديدة الوافدة تُعيدُ استحضار الذاكرة الجمعية لحضرموت في تعاملها مع كل وافد غريب لا تضعه التراتبية المألوفة في مكان معلوم.. وفي هذا السياق، يدرك المختصون في تاريخ الحواضر الحضرمية، والمستبصرون في مروياتها المكتوبة والشفاهية، المقصد العميق لمقولة الاستفهام الاستنكاري الشهيرة: “أَيش من طاهشة؟!”.. فهذه المقولة ليست بشتيمة أو استخفاف، بل هي سؤالٌ معرفي وُلد في لحظة اصطدام المجتمع الحضرمي ببنية اجتماعية وافدة: فإبان استقرار السادة العلويين في حضرموت كطبقة اجتماعية ذات حظوة ومكانة سامية.. آنذاك، كانت البنية الاجتماعية التقليدية في حضرموت تنقسم بوضوح بين “المشايخ” و”القبائل” وفئات أخرى معروفة، فجاء لقب “السيد” ليرسم علامة استفهام كبرى في ذهن الإنسان البدوي البسيط الذي لم يعهد هذا التوصيف في سُلم التراتبية السائدة. ومن هنا انطلق سؤاله التلقائي مُعبرًا عن الحيرة في تبيان “الماهية” ولسان حاله يسأل: “نحن نعرف أن الشيخ شيخ، والقبيلي قبيلي، ولكن السيد أَيش من طاهشة؟!” (أي: من أي صنف هو؟ وما وظيفته؟).. واليوم، ومع بروز “قوات درع الوطن” و “قوات الطوارئ” يعيد التاريخ إنتاج ذات السؤال الوجودي أمام هذه التشكيلات المستحدثة: أهي “مُحَلِّلٌ” للاحتلال أم “حَلَّالٌ” للأزمات؟ وإن كان ثمة إسقاط سياسي ينطبق عليه هذا المجاز التساؤلي اليوم، فهو ينطبق، وبدقة متناهية على قوات درع الوطن؛ تلك القوة التي لا نكاد نتبين لها مبتدأً من خبر، فلا ندري أي درع هي، ولا أي وطن تذود عنه؟ وضد من؟ ولمصلحة من؟ وما المهمات الموكلة إليها؟ أما بالنسبة لقوات الطوارئ، فهي معروفة المبنى والمعنى، وهي في غناء عن أي تعريف وإن بدلت جلدها!
دلالاتُ الوقائع: حين تجلو الجغرافيا لغز “التنسيق”:
وقبل القفز إلى الاستنتاجات، لا بد من التوقف عند لحظة مفصلية في شأن المشهد اليمني العبثي الجاري، الذي يتقلب بين الفينة والأخرى 180 درجة من النقيض إلى النقيض: هل كان تَقدُّم القوات المسلحة الجنوبية والنخبة الحضرمية نحو وادي وصحراء حضرموت والمهرة، بداية ديسمبر الفائت، فعلًا منفردًا خارج أي تفاهم إقليمي؟ ودون التسرع بالإجابة على هذا التساؤل، لعله من المهم الإشارة بدءًا، إلى أنّ كثيرًا من المعضلات والأحداث السياسية، كشأن الحياة اليومية تمامًا، قد تظلُّ يشوبها الغموض في حينها، إلاّ أن الوقائع اللاحقة تتكفل دومًا بإماطة اللثام عن المستور، طال الزمان أم قصر. وفي حالتنا هذه، فقد ظل التكهن بطبيعة التنسيق بين قطبي التحالف (المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة) تشوبه الضبابية، حتى جاءت المتغيرات الميدانية وما تلاها من تموضعات سياسية لتجلو بعض ما تراكم من غيوم، وتضع النقاط على حروف التفاهمات المستترة. ويبدو لنا، باستقراء هذه الوقائع الكاشفة، أنّ تقدم القوات الجنوبية والنخبة الحضرمية لم يكن ليتم بمعزل عن اتفاق بين الأطراف المعنية، أو رضاء ضمني، وبمباركة ـــ أو على الأقل بعلم ـــ رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي؛ إذ لو كان هذا التحرك قد شق عصا التفاهمات، لكانت تلك الأرتال صيدًا سهلًا للطيران العسكري في صحاري مكشوفة وهي تقطع مئات الكيلومترات من عدن إلى المهرة. فلماذا كُفَّت أيدي الطيران عن تلك القوات قبل بلوغ غايتها، طالما أنَّ خيار القوة حاضر عند التقاطع مع المصالح الكبرى لأحد الأطراف؟ وهنا تبرز المشابهة التاريخية في “واقعة منطقة العلم” عام 2019، حين حسم الطيران العسكري الإماراتي الموقف تجاه القوات القادمة من مأرب ووادي عبيدة بمجرد اقترابها من تخوم عدن، وأرغمها على الانكفاء والتراجع من حيث أتت، عندما تعارض قدوم تلك القوات مع منطق المصالح الكبرى عينها للطرف الآخر من المعادلة الإقليمية! وفي ذات الوقت لا يمكن مرور الكرام على ما يمكن تسميته بفقه “الإجماع المستتر”؛ ويتمثل في ذاك الصمت المطبق للأطراف الفاعلة ــ دولاً وشرعية ــ تجاه مصير “المنطقة العسكرية الأولى” بعد دحرها.. فلا صريخ ينادي بإعادتها، ولا اكتراث بحالها؛ مما يقطع بوجود توافق مضمر لسان حاله يقول: “فلتذهب تلك القوات غير مأسوفٍ عليها!”.
غير أنّ المشهد الذي تلا تلك التطورات ـ وبدون الدخول في تفاصيلها بما في ذلك تفاصيل تشكيل الحكومة الجديدة مؤخرًا ــ فتح بابًا واسعًا لأسئلة ما تزال أغلبها معلّقًا في فراغ الإجابة.. فبكامل تفاصيله، انضمّ هذا المشهد إلى القرينة المنطقية الثالثة، ليعزّز القناعة بأن ما كان يُدار في الكواليس يتجاوز بكثير مطلب إخراج القوات الجنوبية من وادي وصحراء حضرموت والمهرة.
فبعد دحر قوام المنطقة العسكرية الأولى، تصاعدت المطالب السعودية بانسحاب القوات الجنوبية وتسليم “المسرح العملياتي” لقوات درع الوطن والنخبة الحضرمية؛ وهو مطلب كان يبدو ــ في حينه ــ يحمل وجاهة سياسية من منظور المملكة كقيادة للتحالف، الساعية للنأي بنفسها عن مظنة الانحياز في صراع الموازنات الحساسة بين القوى اليمنية، أو ربما لحسابات استراتيجية إقليمية أعمق أخرى أملتها طبيعة المرحلة ولم يُكشف عنها الستار بعد. وبدا في ذلك الحين، أن تمسّك المجلس الانتقالي بعدم الانسحاب شكَّل ــ في تقديرنا ــ خطأً استراتيجيًا لم تُحسب كلفته جيدًا؛ ولذلك، جاء استهداف القوات الجنوبية في الخشعة والعبر بوصفه أداة ضغط لإجبارها على التراجع إلى مواقعها السابقة، بعد إنجاز المهمة المعلنة والمتفق عليها: دحر القوات الشمالية وتسليم الميدان لقوات درع الوطن والنخبة الحضرمية. وإلى هذه النقطة، ظلّ المسار ــ نظريًا ــ داخل حدود المنطقي والمعقول، رغم فداحة الخسائر في الأرواح وبموازين القوى، وبالحسابات الاستراتيجية بطبيعة الحال.
لكن ما أعقب ذلك كسر هذا المنطق برمّته.. إذ لم يقتصر الأمر على إعادة ضبط التموضع، بل توسّعت العملية بضربات جوية مباشرة، وبالاستعانة مجددًا بالقوات الشمالية ذاتها تحت مسميات مستحدثة ــ “قوات الطوارئ” ــ وإعادتها إلى حضرموت واديًا وساحلًا. ثم جاء الزحف المتدرّج لقوات درع الوطن ليشمل محافظات الجنوب الأخرى، مترافقًا مع إجراءات سياسية وعسكرية موازية أخرى. وهنا لم يعد السؤال محصورًا في إدارة مشهد أمني عابر، بل بات مشروعًا مفتوحًا على احتمالات متعددة: فما الهدف الحقيقي من هذه العملية المركبة؟ ومن المستفيد من إعادة تدوير القوى الشمالية، وإعادة خلط الأوراق جنوبًا؟ .. أسئلة تتكاثر، وقرائن تتراكم، ومشهد يزداد التباسًا في انتظار إجابات لا تأتي!
ولأن الشيء بالشيء يذكر، فَوجب التذكير بأن تغيير الاسماء قد شمل أيضًا قوات درع الوطن، فقد كان اسمها الأول “قوات درع اليمن السعيد”؛ ونظرًا لما لاقاه الاسم من عدم الاستحسان حينها، فقد تم تغييره إلى “قوات درع الوطن” !
حين ينتقل الصراع من معارك الأرض إلى معارك الوعي:
ومن مفارقة هذا المشهد، أنّ تلك العملية العسكرية وما أعقبها من إجراءات ميدانية وسياسية، وبينما كانت الأسئلة تتناسل بشأن تمدّد المهمة العسكرية خارج سياقها المعلن، وجدنا أنفسنا أمام لحظة انتقلت فيها المعركة من الجغرافيا إلى الوعي، في حملة إعلامية قادتها كلٌّ من قناة العربية وقناة العربية الحدث.. حملة انزلقت بعيدًا عن معايير التوازن المهني الرصين المعهود، حتى جاوزت ــ في فجورها ــ ما عُرف عن قناة الجزيرة وأخواتها في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين من حملات ضد المملكة العربية السعودية خلال أزمة جمال خاشقجي يرحمه الله.. فلم تكن تلك التغطية مجرّد انحياز تحريري، بل اصطفاف فجّ تصدرته نخب شمالية تمترست، على نحو مفاجئ وبحماس قلّ نظيره، في خندق واحد مع المملكة؛ لا حبًا فيها، ولا وفاءً لتحالفاتها، بل نكايةً بالمجلس الانتقالي الجنوبي، وعداءً مكشوفًا لقضية شعب الجنوب، في تكتيك انتقامي بامتياز! وهكذا، وفي أقل من 24 ساعة، أصبح مَن كانوا يشنّون أشرس الحملات على المملكة، صاروا فجأة أكثر المتحمسين لخطابها، حين خُيِّل لهم أنه يتقاطع مع ضرب المشروع الجنوبي، فتبدّلت المواقع، وانقلبت الأقنعة، وبقي الجوهر واحدًا: توظيف اللحظة الإقليمية لتصفية حسابات تاريخية مع أهل الجنوب وقضيتهم، هنا تماهت ضغائن الأحقاد لهذه النخب مع تغيرات أجندة قائدة التحالف، وكان ما كان وما هو كائن! وما نود الوصول إليه في هذه الجزئية، هو التأكيد، بأننا لسنا بإزاء خلاف سياسي عابر، ولا اختلاف في قراءة المشهد، بل للأسف الشديد، أمام غريزة مغروسة في بنية التفكير السياسي لدى قطاع واسع من نخب الشمال، غريزة مُستحكمة ومتجذّرة تكنُّ العداء لكل ما هو جنوبي، تتجاوز التباينات البينية، وتوحد شتاتها وتتغلب على تناقضاتها الأيديولوجية، وتُذيب خلافاتها المرحلية في لحظة استشعار الخطر على مركز السيطرة الرمزي الذي تمثله “الهضبة الزيدية” بموروثها السياسي والاجتماعي.
المنطقة العسكرية الأولى.. وظيفة قديمة بأقنعة جديدة وامتحان “قوات درع الوطن”:
وإذا كانت المعركة في فصلها السابق قد أُديرت عبر شاشات التلفاز؛ لتطويع الوعي العام، فإن الفصل الأخطر سرعان ما تكشّف على الأرض؛ إذ بدأت ملامح إعادة تدوير القوة بالظهور، لا بوصفها استجابة أمنية عابرة، بل كامتداد لوظيفة تاريخية يعاد بعثها بأقنعة جديدة، لتدخل المنطقة العسكرية الأولى طورًا آخر من أدوارها، وتُوضع “قوات درع الوطن” أمام امتحانها الحقيقي. ويمكن تبيان هذا الامتحان بالعودةً إلى جوهر مهام كل طرف من أطراف الأزمة.. فالقراءة التاريخية للمهمة المركزية للمنطقة العسكرية الأولى منذ حرب 1994 لم تكن يومًا حماية حضرموت ولا صون أمنها وثرواتها، بل فرض الوحدة اليمنية بالقوة المسلحة، بوصفها ذراعًا تنفيذية لمشروع الهيمنة القادم من الهضبة الزيدية. ثم أُضيفت إلى هذه الوظيفة لاحقًا مهمة أخرى لا تقل خطورة: وهي أن تمثل هذه القوة ركيزة عسكرية صلبة لمشروع تقسيم الجنوب إلى إقليمين، شرقي وغربي، في إطار هندسة سياسية تُجزّئ الجغرافيا لتُحكِم السيطرة على القرار. وفي المقابل، لم يُخفِ المجلس الانتقالي الجنوبي، ولا الحراك الجنوبي قبله، أهدافهما منذ اللحظة الأولى لانطلاقهما: استعادة سيادة دولة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كاملة غير منقوصة. ومن هنا يفرض السؤال المفصلي التاريخي نفسه، والذي يضع “قوات درع الوطن” أمام الامتحان: أين تقع هذه القوة بين هذين المشروعين المتعارضين جذريًا؟
فإن كانت المهمة المنطقية والعقلانية لما جرى تسويقه يتمثل في تمكين النخبة الحضرمية من إدارة المنطقة العسكرية الأولى، بوصفها قوة حضرمية صرفة، تُجسّد الإرادة المحلية وتحفظ التوازن الاجتماعي.. فهذا لم يحدث، بل على العكس تمامًا كما تلوح في الأفق معطيات سلبية تشير إلى مسار تفكيك النخبة الحضرمية نفسها ــ ونأمل أن نكون مخطئين في هذا ــ إذ إن هذه القوة تمثل إنجازًا حضرميًّا وجنوبيًّا ينبغي الحفاظ عليه، وتنقيته من أية اختلالات رافقته، لا تقويضه من جذوره، بل إن الواجب الوطني، في هذه اللحظة الدقيقة، يقتضي تعزيز النخبة الحضرمية، وتأهيلها عدةً وعتادًا، وتوسيع قوامها عبر توظيف شباب حضرموت في بنيتها العسكرية، بما يحقق هدفين متلازمين: سد الفراغ في قوام المنطقة من جهة لتتمكن من تأدية مهامها، وتحسين مستوى المعيشة لأسر هؤلاء الشباب من جهة أخرى.. هذا مطلب حضرمي مشروع وعادل معروف، على أن يترافق ذلك مع دمج أي تشكيلات عسكرية وانضوائها في قوام المنطقة العسكرية الثانية (النخبة الحضرمية)، والابتعاد عن تفريخ أية تشكيلات عسكرية خارج الإطار الشرعي الدستوري. ولا نجد أنفسنا مبالغين إذا ما طالبنا بأن تصبح جغرافية حضرموت كلها منطقة عسكرية واحدة تحت قيادة حضرمية؛ بهدف النأي من التوظيف السياسي لسعة الجغرافيا، والتسلل من خلالها لضرب الهوية الحضرمية في مقتل كما يجري منذ ثلاثة عقود:
https://www.alayyam.info/news/9YR5FEVE-52FWP7-463D
كما لا يستقيم عقلًا ولا يُقبل سياسيًا، هو أنْ نشهد عودة قوات وقوام المنطقة العسكرية الأولى المندحرة، لا إلى وادي حضرموت فحسب، بل إلى ساحل حضرموت أيضًا، في محاولة لبث الروح في قوى سبق أن لُفظت من الميدان! إن ما يجب أخذه في الحسبان، من قبل السلطات العسكرية والسياسية في حضرموت واديًّا وساحلاً، إن هذه العودة لهذه القوات لن يكون له من هدف سوى نِكئ ذكرى حرب واحتلال حضرموت والجنوب في 1994، التي لم تزل جروحها مفتوحة لم تندمل بعد. وهذا ما لا يتمناه عاقل كهدف لقوات درع الوطن، بل ما يتمناه الشارع الحضرمي والجنوبي منها أن تضطلع بدور “المهندس الحلَّال” لتفكيك مركب الأزمات في حضرموت والجنوب، لا إضافة أزمات واحتقانات وجروح جديدة. إن ما يثير القلق فعلياً هو أن عودة المنطقة العسكرية المندحرة بجلدها الجديد ” قوات الطوارئ” اقترنت بتصريحات مستفزة من بعض قياداتها، وهو أمر يضع علامة استفهام حول مدى تقدير هؤلاء للحساسية المفرطة في الذاكرة الجمعية الحضرمية. اليوم، ينتظر الشارع الحضرمي ممن يتصدر المشهد، خطوات ملموسة تثبت بأن وادي وصحراء حضرموت هما كيان حضرمي أصيل، وليسا مجرد ساحة خلفية أو امتداداً جغرافياً لمأرب ووادي عبيد، وأن الولاء أولاً وأخيرًا يجب أن يكون لتربة هذه الأرض لا لخارجه بأية صورة كانت.. المسألة هنا تتعلق بالثقة التي تكاد في حُكم العَدم؛ إذ يحتاج الناس إلى ما يؤكد أن هوية حضرموت الوسطية بعيدة عن أي تهديد؛ خصوصًا بعد التغيير الممنهج الذي جرى ولا زال في التركيبة الديموغرافية لسكان وادي وصحراء حضرموت طيلة ثلاثين عامًا، وكذلك الحاجة للشعور بالطمأنينة بأن خصوصية المنطقة مصونة وليست عرضة للاستلاب. فالمؤشرات الحالية، تفرض واقعاً يحتاج إلى توضيح صريح يضع مصلحة حضرموت وهويتها فوق أي اعتبارات أخرى.
https://www.facebook.com/watch/?v=1205229234921256
أسئلة المصير: القيادة والقرار والسيطرة في وادي وساحل حضرموت:
وإذا كانت القراءة السابقة قد توقّفت عند ما أُنجز ميدانيًا وما أُعلن سياسيًا، فإن التقدّم خطوة إلى الأمام، يفرض مساءلة ما جرى خلف الواجهة، حيث لا تُقاس الوقائع بحضور الجنود في الشوارع، بل بمن يمسك بمفاتيح القرار وسلسلة القيادة. وعلى هذا النحو، وبين ما يُقال وما يُضمر، تبرز مساحة رمادية تستدعي التوقّف عندها بموضوعية وصدق. فمن الأمور التي تُحسب لقوات درع الوطن حتى يومنا هذا ــ ويجب الإشادة بها دون مواربة ــ نجاحها في فرض قدر من الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فضلًا عن الانتشار اللافت للجنود الحضارم ضمن قوام هذه القوات في نقاط التفتيش وعلى خطوط السير بمديريات وادي حضرموت. غير أن المسكوت عنه، يتمثّل في السؤال، الذي يجري التغاضي عنه ــ عمدًا أو حذرًا ــ المتعلّق بالهيكلية القيادية للمنطقة العسكرية الأولى: أهي بأيدٍ حضرمية خالصة، أم ما تزال مفاتيح القرار الفعلي بيد قوى من خارج حضرموت؟ وبصرف النظر عما يجري طبخه من قرارات مرتقبة معروفة الهوى والهوية في مواقع إدارية وعسكرية.. بصرف النظر عن ذلك، فإن حساسية السؤال نزداد مع ما يُتداول ــ صدقًا أو توظيفًا ــ عن دفع الجنود الحضارم إلى واجهة المشهد في الشوارع والطرقات والنقاط، لإضفاء انطباع ظاهري بأن الوادي في قبضة أبنائه، فيما تبقى الألوية الثقيلة والأسلحة الضاربة بعيدة عن الأنظار بأيدٍ أخرى غير موالية لتربة حضرموت؟ وهذه المسألة يدرك العقلاء مدى خطورتها وحساسيتها، وتستلزم قدرًا عاليًا من الحكمة، في ضوء ما راكمته الذاكرة الجمعية لأبناء الوادي من ممارسات غير مسؤولة، مارستها قوى عسكرية جثمت على صدورهم لأكثر من ثلاثة عقود. وفي نفس السياق المتصل بالقلق المشروع، فقد تبادلت وسائل التواصل الاجتماعي، وقبيل الانتهاء من كتابة هذه السطور، تلك الأنباء عن استيلاء قوات الطوارئ على مطار الريان، بعدما كان تحت مسؤولية أفراد النخبة الحضرمية وقوات درع الوطن؛ وكذلك ما صدر عن مرجعيات وادي حضرموت عما يدور في مناطق العبر والخراخير، وغيرها من سلوكيات “الشخيط والنخيط” في شوارع المدن.. فإن صحتّ هذه الأخبار، فهي لا تحمل في طيّاتها سوى نُذر سوء الطالع، ونأمل، ألّا يكون ذلك أكثر من مبالغات عابرة، في زمنٍ تختلط فيه الشائعات بالحقائق ويضيع الحد الفاصل بينهما.
الخاتمة: أَيش من طاهشة؟! .. أسماء جديد ومسميات قديمة:
وبعد كل ما تقدم، يعود سؤال الاستنكار في تمهيد هذا المقال “أَيش من طاهشة؟”» بصفته سؤالًا سياسيًا بامتياز: هل نحن أمام قوة لحماية الجنوب؟ أم لحماية حضرموت؟ وممن؟ أم هي أداة و”محلِّل” لإعادة احتلال 1994، وتدوير الهيمنة الشمالية على الجنوب وحضرموت معًا باسم الشرعية؟ أم جسر مؤقت بانتظار تسوية تُعاد فيها حضرموت إلى مربع الصراع؟ أم هناك ما هو وراء الأكمة؟ لا إجابة ناجزة في اللحظة، لكن المؤكد أن الغموض ليس بريئًا، وأن التجارب السابقة يُفترض أن تكون قد علَّمتنا، أنَّ ترك الأسئلة الكبرى، وما لا يُسمّى بلا إجابات، غالبًا ما يُستخدم ضدنا، وأن الجنوب وحضرموت، في كل منعطف، يَدفعان ثمن سوء قراءة اللحظة من قِبل قياداتهما، التي لم تُحسَن إدارة معطيات اللحظات المفصلية في مجرى التاريخ.. فالقضية هنا ليست رفضًا لقوة بعينها، بل رفضٌ لأن يكون الجنوب وحضرموت مرة أخرى حقل تجارب لمشاريع الآخرين. فَتحتِ المسمى الجديد، “قوات درع الوطن”، وبسؤال الاستنكار الوجودي القديم: “أيش من طاهشة؟” يُعيد التاريخ نفسه على هذه الجغرافيا، المثقلة بحمولاتها التاريخية والجيوسياسية.. فالأيام حُبلى بالمفاجآت، وهي وحدها الكفيلة بكشف مستور “طواهش معمعة العبث اليمني السعيد”، الذي لا نعرف متى كان سعيدًا !
والله من وراء القصد وهو الموفق والمستعان…






