الاستقرار السياسي بين الملكية والجمهورية: قراءة تحليلية في بنية الشرعية ومأزق الحزبية الريعية
تاربة_اليوم / كتابات واراء
بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
9 فبراير 2026م
يعد الجدل حول أشكال الحكم بين الملكية والجمهورية من الموضوعات القديمة في الفكر السياسي، حيث تناولها الفلاسفة منذ أفلاطون وأرسطو، مرورًا بابن خلدون، ووصولًا إلى منظري الدولة الحديثة. غير أن الإشكالية الراهنة لم تعد محصورة في الشكل الدستوري فحسب، بل امتدت إلى فاعلية المؤسسات، واستمرارية رأس الدولة، وآليات إنتاج النخبة، وقدرة الدولة على تقديم الخدمة العامة بكفاءة وعدالة. في هذا السياق، تبرز أسئلة جوهرية: هل تكمن أزمة بعض الجمهوريات في طبيعتها الجمهورية أم في تحولها إلى أنظمة حزبية ريعية مغلقة تقوم على المحاصصة وإعادة تدوير النخب؟ وهل يمكن للنظام الملكي أن يقدم نموذجًا أكثر استقرارًا وفعالية في إدارة الدولة في بعض السياقات؟
يمكن فهم الشرعية السياسية من منظور ماكس فيبر، الذي يميز بين الشرعية التقليدية، الشرعية الكاريزمية، والشرعية القانونية – العقلانية. تستند الجمهوريات الحديثة نظريًا إلى الشرعية القانونية – العقلانية عبر الانتخابات، إلا أن التجربة المقارنة تُظهر أن الانتخابات وحدها لا تكفي لضمان الاستقرار أو الكفاءة، إذ قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج نخب حزبية مغلقة. بالمقابل، تستند الملكيات الدستورية المستقرة إلى شرعية تاريخية – تقليدية تطورت لتندمج ضمن إطار دستوري حديث، مما يمنح رأس النظام استمرارية زمنية لا تخضع لدورات انتخابية متقلبة. من هذا المنطلق، يُعد استقرار رأس الدولة عنصرًا أساسيًا لتقليل الصراع الصفري على السلطة، وهو ما توفره الملكيات الدستورية بصورة أوضح من كثير من الجمهوريات الحزبية المتصارعة.
ليست المشكلة في التعددية الحزبية بحد ذاتها، فالأحزاب أدوات تمثيل ومساءلة في النظرية الديمقراطية، ولكن في بعض السياقات تتحول إلى شبكات ولاء مغلقة، وكيانات محاصصة، وأدوات لتوزيع المنافع على الأتباع، وآليات لإعادة تدوير النخب نفسها. تنشأ هنا ظاهرة الحزبية الريعية، حيث يصبح الحزب قناة للوصول إلى الموارد والوظائف العامة أكثر من كونه برنامجًا سياسيًا. تتجلى هذه الظاهرة في تقاسم الوزارات وفق الحصص، والتعيينات المبنية على الولاء والتبعية لا القدرة والكفاءة، والتوريث السياسي داخل الأطر الحزبية ليصل إلى الوظيفة العامة، وشلل إداري نتيجة تضارب المصالح الحزبية، بما يفقد الجمهورية مضمونها التمثيلي ويحولها إلى أوليغارشية حزبية مقنعة.
تشير التجارب المقارنة للملكية الدستورية في المملكة المتحدة، المغرب، الأردن، ودول الخليج إلى خصائص مميزة للاستقرار البنيوي، منها استمرارية رأس الدولة، وهو ما يقلل من التنافس الشخصي الحاد على القمة، وفصل نسبي بين الرمز والسياسة التنفيذية، حيث يظل الملك رمز الاستمرارية بينما تتغير الحكومات وفق الأداء، ومرونة في احتواء الأزمات بفضل موقع الملك فوق الاستقطاب الحزبي، إضافة إلى إمكانية بناء جهاز إداري مهني إذا اقترنت الملكية بإصلاح إداري صارم قائم على الجدارة. لكن الملكية ليست ضمانًا تلقائيًا للنجاح، فهي تنجح فقط حين تصاحبها مؤسسات قوية، وسيادة القانون، وجهاز بيروقراطي محترف، ومساءلة فعالة.
في مقابل ذلك، يبرز سؤال التداول مقابل الاستقرار، إذ يُعد التناوب السلمي على السلطة قيمة عليا في الديمقراطيات الكلاسيكية، ولكن في المجتمعات الهشة والمؤسسات الضعيفة قد يتحول التداول المتكرر إلى مصدر اضطراب دائم. هنا يظهر مفهوم (الدولة المستقرة أولًا)، أي أن استقرار البنية السياسية شرط لبناء مؤسسات فعالة، وهو ما قد توفره الملكيات الدستورية في سياقات معينة، إذ تمنع الصراع الصفري على القمة، وتركز الجهد على التنمية والبناء والإدارة الناجحة، وتحد من الانقسام الحزبي الحاد والعبثي.
تتعرض بعض الجمهوريات في السياقات الهشة إلى أزمة بنيوية، إذ تتحول إلى ديمقراطية اسمية، انتخابات بلا تنافس حقيقي، تحالفات حزبية قائمة على الغنيمة، ودولة محاصصة. هنا لا يكون الخلل في (اسم النظام) بل في آلية إنتاج النخبة وإدارة الموارد العامة. لذلك، لا تكمن المقارنة بين الملكية والجمهورية في المفهوم الأيديولوجي، بل في القدرة على إنتاج دولة فعالة، بناء على معايير موضوعية مثل مستوى الاستقرار السياسي، جودة الخدمات العامة، استقلال القضاء، فاعلية الإدارة العامة، مؤشرات الفساد، والقدرة على إدارة التنوع الاجتماعي.
أحد أبرز أخطار بعض الجمهوريات هو تحويل مصطلحي الجمهورية والديمقراطية إلى شعار شعبوي تعبوي بلا مضمون مؤسسي، حيث يقتصر الأمر على صناديق الاقتراع وتعددية شكلية وخطابات شعبوية جوفاء. الديمقراطية الحقيقية تقوم على مؤسسات مستقلة، وكفاءة إدارية، ومساءلة حقيقية، وتداول قائم على برامج وكفاءت لا تبعية وولاءات. في غياب هذه العناصر، تصبح الجمهورية مجرد غطاء لاحتكار حزبي مقنع.
وخلاصة التحليل العلمي – بحسب ما ورد في الورقة البحثية الأصلية – تشير إلى أن الاستقرار البنيوي شرط أساسي لبناء الدولة، والملكية الدستورية قد
توفر هذا الاستقرار في سياقات معينة، بينما الجمهوريات الحزبية الهشة معرضة للانزلاق نحو المحاصصة الريعية. معيار الحكم ليس الشكل الدستوري بقدر ما هو جودة المؤسسات، والإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء جهاز إداري مهني قائم على الجدارة، بعيدًا عن الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية.
إن النقاش الرصين حول أشكال الحكم يجب أن يتحرر من الانفعال، ويتجه نحو السؤال الأعمق: كيف نبني دولة عادلة، مستقرة، كفؤة، تحترم الإنسان وتخدم المجتمع؟ فإذا كان النظام الملكي في سياق معين أقدر على تحقيق هذه الغاية، فهو خيار عقلاني، وإذا استطاعت الجمهورية بناء مؤسسات قوية ومنع احتكار النخب، فهي كذلك جديرة بالدعم. أما الجمهوريات التي تتحول إلى ساحات محاصصة حزبية ريعية مغلقة، فإنها تفقد جوهرها، وتصبح عبئًا على الدولة والمجتمع.
ربي زدني علمًا، وارزقني فهمًا، والحقني بالصالحين.
ملاحظة: هذا المقال ملخص لورقة بحثية قيد النشر قريبًا، بإذن الله تعالى.






