الأحزاب السياسية في حضرموت والوطن العربي، والملاحظة المستقبلية.
كتب / جابر عبدالله الجريدي
الجمعة 6 فبراير 2026
*بسم الله ابتدأ وبه استعين على أمور الدنيا والدين، وبعد:*
سيكون حديثنا عن الأحزاب السياسية بمفهومها الشامل لأن لها عدة تقسيمات ومسارات، إلا أن عيناها جميعاً تنظر للإستيلاء على السلطة والمناصب الحكومية، بعض المتفلسفين يريد أن يصور تلك المنافسة بالديمقراطية وهذا شي متناقض! لأن السيطرة تعني الإستيلاء والمنافسة ومن يصل إلى سدة الحكم هو من يتنفذ في أمور السلطة فأين الديمقراطية بالموضوع؟ الأمر بعيد جداً حتى عن تعريفات الديمقراطية.
. أسوأ نقطة قد تؤخذ على هذه الأحزاب السياسية هي نشأتها البدائية، لأننا سمعنا عنها في حضرموت كثيراً، ودخلت إلى بيوتنا جميعاً، تبرر لنا دخولها ونستقبلها بعفوية وأحياناً بترحيب شديد لأنها تطرح عليناً عروضاً مغرية، وكما قلنا أنها أسوأ نقطة على جبين تلك الأحزاب السياسية الدخيلة على المجتمع العربي ذا المبادئ والقيم السامية والأصيلة والتي أثنى عليها حتى الإسلام من بدأ البعثة النبوية، المجتمع العربي خاصةً “الحضرمي” له خصوصيات عميقة جداً تكاد لاتجدها في المجتمعات العربية الأخرى فضلاً عن الإطار الخارجي الذي لا يوجد بيننا وبينهم تشابه ولو بمحض الصدفة، فإن مبادئ الأحزاب بعيدة كل البعد عن مبادئ الأخلاق، وأشفق لحال من يحاول جاهداً أن يطبع فكرة الأحزاب بين الأوساط المجتمعية العربية، لأن واقعها العملي منذُ أكثر من سبعين عاماً في تواجدها داخل الأوطان العربية إلا أننا نجدها تجربةً فاشلةً بنسبة تفوق المئوية، رغم النصوص الدستورية والتنظيمات القانونية التي أهتمت بأمرها الكثير من الدول العربية محاولة تلك الدساتير أن تبرر وجود تلك الأحزاب داخل الدول العربية إلا أن أول رماح تلك الأحزاب وجهت على الدستور نفسه والمجتمع عينه، فما لاقت المجتمعات العربية منذُ دخلت الأنظمة الحزبية السياسية إلا فوضى، تخريب، تهميش، إقصاء، تعذيب، تنافس غير شريف، صراع دموي على السلطة، نهب الأموال العامة وتبرعات الجمعيات لتغطية تكاليف الإنتخابات، صنع إيدلوجيات الأحزاب في عقول الأفراد بعيداً عن الوعي الذاتي لهم، والكثير من السلبيات الجم التي لا أستطيع حصرها رغم أن ما ذكرناه آنفاً تدَّعي تلك الأحزاب السياسية أنها أتت لتحسين أداءه وإصلاح الخلل فيه، فما رأينا إلا ما رأينا إنما أتت تلك الأحزاب لتغذي تلك السلبيات وتطورها وتحاول إيجاد أفكار سلبية أخرى تخلخلها في أوساط المجتمعات، وإن أسوأ نقطة عليها هي “النشأة” و “بداية الظهور” حيث ظهرت في المجتمع الأوروبي تحديداً بريطانيا والتي تبعد كل البعد أساليب الحياة والقيم فيها عن تلك في المجتمعات العربية التي جاء الإسلام ليكملها، فاولئك لم يعرف عنهم شي من الأخلاق فضلاً أنه لا يوجد دين سماوي صحيح يرشدهم، فلماذا تطبق تلك التجربة الغربية في الأراضي العربية! ولم تظهر أصلاً في بريطانيا لمعالجة مشكلة، أو حل لمعضلة، إنما ابتكرها فئات لتبرر لنفسها الإستيلاء على أغلبية الأصوات في البرلمان، ثم تطورت بعد ذلك الفكرة في الأنظمة الغربية الأوربية فما علاقتنا بها حتى يتم العمل عليها في أنظمتنا العربية التي له بيئة خاصة جداً لا تنطبق على الموجودة في الأقاليم المختلفة حول العالم! السؤال: من وضع هذه الفكرة وأدخلها في الأنظمة العربية ووزعها داخل المجتمعات العربية وقام بدعمها وتقوية ركائزها؟
. النقطة الثانية من الذي قام بدعم تلك الأحزاب السياسية ولو بشكل غير مباشر في توطينها داخل المجتمعات العربية؟
ولكن أحببنا قبل ذلك أن نتطرق بما معنى (الحزب السياسي): وهو أي تكتل لمجموعة من الأفراد تشترك في كثير من الأفكار يكون الهدف من ذلك التكتل التأثير بالرأي العام داخل المجتمعات أي الوصول إلى السلطة والسياسة العامة، وللتكتلات الحزبية وبما في معناها عدة أشكال منها القومية والعرقية والطائفية والمذهبية.
لو نظرنا إلى التاريخ خاصةً قبل الصراع الأمريكي السوفيتي على النفوذ العالمي، حيث كان النصيب الأكبر للأقاليم في العالم من نصيب الدول والإمبراطوريات الأوروبية على رأسها بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والبرتغال والمانيا، فوصلت إلى عقر شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط (الدول العربية) وأقامت لها نفوذاً مباشراً وغير مباشر عن طريق أنظمة الإنتداب والوصاية لتبرر إحتلالها عبر هذه الحيلة التي صدقها العرب ليسموا بعد ذلك دولة تحت (الوصاية) وأخرى تحت (الإنتداب)، وكما برر أولئك الأشخاص ليصلوا إلى كرسي الحكم والسيطرة على البرلمان إخترعوا لهم كذبة تبرر لهم أمرهم فأبتكروا فكرة الأحزاب ليصلوا لمبتغاهم، تماماً مثل مافعلت بريطانيا مع الأنظمة الخارجة عن إقليمها والتي إحتلتها بقوة النار، وحتى تبرر فعلتها وتقنع العرب عن التبعية لها بدلاً عن القوة إبتكرت هذه الأنظمة التي سميناها ونظمنها ودرسناها في جامعاتنا السياسية والقانونية، وكأنهن الأفكار الأسمى لنجاح المجتمعات، بينما تلك مبررات للظلم والتهميش والإحتلال بأسلوب مغلف بالورود، وعندما إنتهت الإمبراطورية البريطانية التي قيل أنها التي لا تغرب عنها الشمس، أضحت لنا الوقائع ظهور تنافس جديد بدلاً عن التنافس الأوروبي الذي بانت نهايته وضعفت شوكته، ليظهر لنا قطبين عالميين أصبح لهما النفوذ والتحكم في أقطار الكرة الأرضية، وكان العالم بما فيه يتأرجح بينهما وخاصة الدول العربية التي تحررت من الإستبداد الأوروبي لتعود بشكل مباشر لتلك التبعية ولكن بطريقة أخرى، ومسميات جديدة تتمسك بالطرق القديمة مع تجديد الأفكار فقط، إحتاجت تلك الأقطاب السوفيتية والأمريكية إستقطاب الأنظمة العربية ولكن بطريقة جديدة تختلف كثيراً عن الطريق السابق الذي إتخذه التنافس الأوروبي للسيطرة على العالم، فذهبوا يبحثون عن الورقة الرابحة بعيداً عن فكرة القوة المباشرة والتراشق بالنار، والتي لن تولد إلا صلابةً عربية للدفاع عن تربتها وأرضها، كما واجهت تلك العواقب الدول الأوروبية التي لاقت العناء في سبيل محاولة لإخضاع الأقوام العربية والتي وصلت لنتيجة الفشل، فوجد القطبين أن فكرة أولئك البريطانين الذي أرادوا السيطرة على البرلمان عبر إنشاءهم أحزاباً تُدار بطريقتهم أمراً مناسباً جداً، وسهلاً لدرجة خلق نوع من الإقناع وعدم المساس بالنزعة العربية التي تأبى التبعية، فأنشأت أمريكا داخل الأوطان العربية أحزاباً رأس مالية وديمقراطية، تجعل العالم ينظر لها كشخص متوق للحرية بينما هي في الحقيقة ممولة أمريكياً تُدار من خلف الستار ما إن تصل لسدة الحكم تعلن ولاءها للرئيس الأمريكي بشكل غير مباشر، وكذلك الإتحاد السوفيتي أنشأ فكراً مضاداً حزبياً لما عملت عليه الولايات المتحدة الأمريكية فأنشأ أحزاباً إشتراكية منافيةً للرأس مالية، وأحزاباً قومية مضادةٌ للديمقراطية، فغلبت الأفكار السوفيتية الأمريكية لوهلةٍ من الزمن حتى إنتهاء وضعف الإتحاد السوفيتي التي كان له النفوذ الأكبر داخل الأنظمة العربية، وبعد أن إنتهت الأفكار السوفيتية بعدما تم الإنقضاض على راسها السوفيتي، وجدت الأفكار الأمريكية مساحة فارغة داخل الأنظمة العربية فاستغلت ذلكم الفراغ لتمول فكرتها داخل المجتمعات العربية لتصبح بعد ذلك تلك الأفكار ممسكة بمفتاح السلطة داخل الأنظمة العربية، ومنذُ ذلك الحين إلى اليوم والوطن العربي ساحة تجارب فلا تصدقون أولئك الأشخاص الذين تظنونهم أبطال العرب، إنما هم دُمى تجارب لا أقل ولا أكثر ولكنهم وجدوا شعوباً عاطفية تقنعها فقط جملةً من الكلمات والمواقف حتى جعلتها من الأساطير، فنحنُ ولحد اليوم الذي كتب ونشر فيه المقال 6/2/2026 نخوض في تجارب الأفكار الأمريكية الديمقراطية والرأس مالية، ولكنها قاربت كثيراً على النهاية وأضحت فيها الأمور على نهاية ذلك الرأس الذي يمولها وسيحدث له ماحدث مع الإتحاد السوفيتي، وستنتهي تلك الأفكار ولكن الأمر المهم هل تظل الساحة العربية فارغةً من المشاريع والأفكار التي تخصها بعيداً عن الأفكار المستوردة والممنهجة لخدمة مشاريع أخرى وسأتحدث عن هذا في النقطة التالية، ولكن سأبين موقف حضرموت خلال الفترة السابقة: فإن حضرموت قد نالت من سموم الأفكار البريطانية (الإنتداب) لتأتي بعدها مباشرةً الأفكار السوفيتية (القومية) وتلتها في ما بعدها (الإشتراكية)، ثم بعد ذلك عندما إنتهت الأفكار السوفيتية أخذت حضرموت من الجرعات الأمريكية فدخلت فيها (الرأس مالية) وناهزتها (الديمقراطية) وهناك علاقة بين الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة الأمريكية (الجمهوري, والديمقراطي) فإن أخذ النظام الأمريكي الحزب الجمهوري إنقلبت الأنظمة العربية إلى رأس مالية، كذلك إن وصل الحزب الديمقراطي إلى سدة الحكم الأمريكية إنقلبت الأنظمة العربية ديمقراطية، فهذي هي الحقيقة فمهما حاول المثقفون العرب حط الغِطاء في أعينهم لمحاولة عدم رؤيتها فتبقى حقيقة مثل التي حاول قوم نوح عليه السلام تغطية وجوههم وسد أذانهم من سماعها فلم يؤثر ذلك عليها.
. الأمر المهم بعد سرد كل ذلك؛ هل تبقى الساحة العربية والحضرمية خصوصاً فارغةً من المشاريع والأفكار السياسية التي تعنينا نحنُ بعيداً عن التدخلات الخارجية! أم علينا أن ننتظر أفكار أخرى غريبة عن ديننا وعاداتنا وقيمنا وتقاليدنا وأعرافنا! إنَّ هناك موجةٌ شرقيةٌ قادمة ولا أستبعد أن تتخذ نفس الخطوة بفكرة جديدة لتدخل في عمق الأنظمة العربية لتخلق لنا عهداً جديداً من التبعية بعد الإنجليز والسوفيت والأمريكيين، أم أن هناك مشروعاً عربياً مختصاً قد وطدت دعائمه وأُعلن عنه، يجب علينا في حضرموت أولاً والوطن العربي والإسلامي أن نلتف حوله حيثُ أنه يمثل سيادتنا ونزعتنا وتمكيننا، وهو مناسبٌ لنا، موافقاً لديننا وقيمنا ومبادئنا وأعرافنا، فلو نظرنا للساحة العربية بعد هذه الفوضى الممنهجة التي وظفت لمصالح خارج الصندوق لوجدنا أن هناك قناعة شعبية أنتجتها لنا تلك الفوضى توحي لنا بعدم قبول هذه الأفكار الحزبية والمشاريع الغربية التي لا علاقة لها بالدين والعرف في شي، والأمر الجلل الذي لابد أن نعرفه اليوم هو أن نخلق لنا مشاريع سياسية تنتمي لنا وأن لا نجعل هناك مساحة فارغة حتى لا نستقبل أفكار رجعية إستغلالية متطرفة، وقد لاحظنا أن هناك مشروع عربي إسلامي قد برز في الساحة، مفصلٌ وممنهجٌ بما يتناسب معنا كمسلمين أولاً وعرب، وهذا المشروع لن يتفهمه إلا الخواص من الناس ذوي الألباب والعقول كما إتضح لنا ذلك، وهي الفكرة الجديدة التي دعت لها المملكة العربية السعودية (الشرق الأوسط الجديد) او كما قال ولي العهد محمد بن سلمان بن عبدالعزيز بأن الشرق الأوسط هو الحضارة القادمة في العالم وأردف بعدها قائلاً بأن هذا الأمر هو هدف المملكة العربية السعودية بقوله هذه حرب السعوديين وحربي التي أخوضها شخصياً، والتي بعدها ظهر لنا الرئيس الحكيم السوري “أحمد الشرع” ليقول في مقابلة له بأن هذه الرؤية السعودية تعنينا جميعاً، وهي بالتأكيد قائمة على تبادل المنافع “التكامل” كما هو واضح في كثير من علاقات الدول التي كانت في تنافس ومشاحنة، والموقف الموحد ضد أي فوضى كانت داخل مستطيل الشرق الأوسط، ليتضح لنا في خلاصة الأمر أن هناك مشروع سياسي يحتوينا ويعنينا ويجب التسرع للإنضمام له من قبل أنظمتنا السياسية الحكومية لنخلق فرصة لشعوبنا العربية عنوانها التقدم والنمو والإزدهار.
. أريد أن أختصر المقام هنا والذي يطول شرحه كثيراً، إن حضرموت إتخذت في الأحداث الأخيرة موقفاً عظيماً، حيثُ أنها أصطفت إلى جانب المملكة العربية السعودية وأعتبرتها حليف إستراتيجي بالأصح”أخوي” نظيراً للعلاقات التاريخية بين حضرموت والسعودية، والتماثل الكبير في الأعراف والعادات والتقاليد، وحتى أن التنوع الثقافي الذي في داخل حضرموت موجود أيضاً في داخل السعودية، دليل أن السعودية هي الأخ الشقيق الأقرب لأبناء حضرموت، فحضرموت لو نظرنا إلى تاريخها تحديداً مابعد ١٩٦٧م وتدخل الأحزاب السياسية في أوساطها وسياستها والتي تعمدت الإخضاع والتهميش لأبناء حضرموت، والتي جلبت لنا عادات سلبية جداً لم تعرف في الشأن الحضرمي من سابق حتى دخلت تلك الأحزاب لتحاول تغيير عقائدنا وثوابتنا الدينية، إن تجربة الأحزاب التي نحنُ تحدثنا عنها في حديثنا السابق تجربة فاشلة أعادت حضرموت إلى القرون الوسطى بينما كانت قديماً سيدة القرار ومهد الحضارات، فتلك الأحزاب لا تتناسب أبداً معنا كحضارم ولن تتناسب أبداً مع المجتمع العربي، ووجودها ليس حلاً لنا، بل إن وجودها حل وتبرير لغيرنا لكي يتحكم بنا عن بعد لتلعب الأدوات العربية الهزيلة دورها في خدمة المشاريع الخارجية، الحل أنه يجب علينا أن نتعاون لنستطيع الخلاص منها وفك القيود عن أعناقنا وأيدينا، وأن نبني مشاريعنا بأيدينا متخصصة في وضعنا وحلاً لمشاكلنا لا مشاريع تخدم غيرنا، وإن الإسراع في ذلك أمر ضروري، والإنضمام إلى المشروع العربي_الإسلامي (الشرق الأوسط) شيءٌ عظيم لنبني حاضرنا ومستقبلنا بأنفسنا وإرادتنا، قبل أن تتخطفنا رياح شرقية لا قدر الله ذلك.
. لا للأحزاب.
. لا للمشاريع الخارجية.
. نعم لنبني مستقبلنا بأفكارنا وإبداعاتنا لأنه أمر يخصنا دون غيرنا.
. حضرموت ترفض مشاريع الإنتداب والوصاية والأحزاب






