آل باوزير… اختبار اللحظة وبوصلة حضرموت
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
4 فبراير 2026
على امتداد قرون طويلة، لم تكن أسرة آل باوزير مجرد اسم في سجل الأنساب، بل كانت مدرسة حضرمية في الحكمة، ومنارة في الإصلاح، وجسرًا بين القبائل، وصوتًا للعقل حين تعصف الفتن.
من سيؤون إلى تريم، ومن الساحل إلى المهجر، حمل أبناء هذه الأسرة إرثًا ثقيلًا من العلم والأدب والصلح والقيادة المجتمعية. كانوا — ولا يزال كثير منهم — صمّام أمان للنسيج الحضرمي، يطفئون نار الخلاف قبل أن تشتعل، ويجمعون الكلمة حين تتفرق، ويحفظون كرامة حضرموت حين تُستهدف.
اليوم، تمر حضرموت بموجٍ لَطّام من المتغيرات، وتتكالب عليها المشاريع، وتتنازعها الأجندات، وتُختبر فيها بوصلة البيوتات الكبرى قبل غيرها. في مثل هذه اللحظات الفاصلة، لا يُقاس المجد بالأمجاد الماضية فقط، بل بما يُصنع الآن.
إن التاريخ لا يرحم المتفرجين، ولا يُخلّد المترددين. حضرموت تنتظر من رموزها — وفي مقدمتهم آل باوزير — أن يكونوا على مستوى اللحظة: حاضرين، متماسكين، متكاملين، لا متنافرين؛ متشاركين لا متشاحنين؛ صوتًا واحدًا لا أصواتًا متنافرة.
الزمن الذي نحن فيه لا يحتمل التشتت، ولا يقبل الرماديّة، ولا يفسح المجال للصراعات الداخلية الصغيرة. كل بيت حضرمي عريق اليوم أمام امتحان تاريخي: إمّا أن يكون رافعة لوحدة حضرموت، أو شاهدًا على تفرّقها.
وآل باوزير — بتاريخهم ورمزيتهم — ليسوا عائلة عادية في هذا المشهد؛ هم ميزان ثقيل في معادلة حضرموت، وكلمتهم حين تتوحد تُسمع، وموقفهم حين يشتد يُحسب له ألف حساب.
فليكن التاريخ شاهدًا أن هذا البيت الكبير اختار أن يكون في الجانب الصحيح من اللحظة: جانب حضرموت، جانب الحكمة، جانب الوحدة، وجانب المستقبل.
لكن الوحدة التي تُنتظر من آل باوزير ليست وحدة الصمت، بل وحدة الرؤية؛ ليست اصطفافًا عاطفيًا، بل اصطفافًا مسؤولًا؛ ليست تجمّعًا شكليًا، بل تماسكًا فكريًا وأخلاقيًا يعكس عمق تاريخهم وثقل مكانتهم.
حضرموت اليوم لا تحتاج فقط إلى أسماء لامعة، بل إلى بوصلة أخلاقية وسياسية تُطمئن الناس وتقطع الطريق على العابثين. وحين يتحرك بيت بحجم آل باوزير، فإن حركته تُقرأ في كل وادٍ وساحل، وتنعكس على القبائل والمجتمع والشارع الحضرمي بأسره.
إن المتغيرات لا ترحم المترددين، والأجندات لا تحترم المتفرقين، والمشاريع لا تنتظر المتباطئين. في هذا السياق، يصبح التماسك داخل البيت الواحد ليس خيارًا جماليًا، بل ضرورة تاريخية، وحاجة وطنية، وواجبًا أخلاقيًا تجاه حضرموت التي منحت هذا البيت مكانته ورمزيته.
لقد كانت هذه الأسرة في محطات كثيرة جسراً بين الناس والسلطة، وبين القبيلة والدولة، وبين الماضي والمستقبل. واليوم يُختبر هذا الدور من جديد، ولكن على مسرح أعقد وأخطر وأشد ضراوة.
إن حضرموت لا تطلب من آل باوزير أكثر من أن يكونوا كما عهدهم التاريخ: عقلًا راجحًا حين تعصف العواصف، وصوتًا جامعًا حين تتشظى الأصوات، ويدًا ممدودة للصلح حين تتسع الهوة، ودرعًا معنويًا حين تُستهدف الهوية.
فإن توحّدت الرؤية داخل هذا البيت الكبير، فإن أثرها لن يقتصر على الأسرة وحدها، بل سيمتد ليقوّي اللحمة الحضرمية كلها، ويُربك حسابات من يريدون التفرقة، ويُطمئن الناس أن حضرموت ما زالت تمتلك بيوتًا تعرف معنى القيادة والمسؤولية.
وسيذكر التاريخ يومًا أن آل باوزير لم يكتفوا بحراسة مجدٍ قديم، بل صنعوا مجدًا جديدًا في أصعب المراحل.
لأن البيوت العظيمة لا تُقاس بأمجادها الماضية…
بل بمواقفها في اللحظات الفاصلة.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






