السياسة حين تنفصل عن الناس
بقلم / أ. ممدوح بن كده
الاربعاء 4 يناير 2026
ليست السياسة شعارات تُرفع في المواسم، ولا خطابات تُلقى عند الأزمات، بل هي في جوهرها عقد أخلاقي بين السلطة والمجتمع. وحين تنفصل السياسة عن هموم الناس، تتحول من أداة إدارة إلى عبء، ومن وسيلة بناء إلى سببٍ في الانقسام والإحباط.
في واقعنا اليوم، تتكاثر القوى السياسية، وتتنوع المسميات، لكن المواطن يبقى هو الغائب الأكبر عن حسابات القرار. تُدار الخلافات باسم الوطن، وتُعقَد التحالفات باسم المصلحة العامة، بينما تتآكل حياة الناس تحت وطأة الغلاء، وتراجع الخدمات، وانعدام الاستقرار. وهنا يكمن السؤال الجوهري: لمن تُمارَس السياسة؟ ولأجل من؟
السياسة الرشيدة لا تُقاس بحدة الخطاب ولا بعلو الصوت، بل بقدرتها على تحقيق الحد الأدنى من الكرامة والعدالة. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الفقر والخوف، مهما امتلكت من شعارات، تبقى دولة مأزومة في جوهرها. كما أن النخب التي تنشغل بصراعاتها الداخلية وتنسى الشارع، تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد شرعيتها السياسية.
إن أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم ليس الصراع بحد ذاته، بل تطبيعه وتحويله إلى حالة دائمة. حين يعتاد الناس الأزمات، ويُقنَعون بأن المعاناة قدر، تكون السياسة قد فشلت، لا لأنها أخطأت، بل لأنها تخلّت عن دورها الأساسي: خدمة الإنسان.
المطلوب اليوم سياسة تعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية لا الوسيلة، وتؤمن بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالعدالة، وأن الأوطان لا تُدار بالإقصاء، بل بالاحتواء، ولا تستمر بالوعود، بل بالفعل الصادق.
ففي النهاية، السياسة التي لا يشعر المواطن بثمارها، ليست سياسة، بل مجرد صراع على السلطة بوجهٍ آخر.






