اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت والاندماج الاجتماعي والحضاري مع المملكة العربية السعودية

حضرموت والاندماج الاجتماعي والحضاري مع المملكة العربية السعودية

بقلم / أ. د خالد سالم باوزير
الاحد 1 فبراير 2026

تُعدّ المملكة العربية السعودية بلد الخير وأرض الحرمين الشريفين، وقد كان للاستقرار الحضرمي فيها حضورٌ ممتد منذ قرون إسلامية ماضية، وذلك لما عُرف به الحضارم من تمسّكٍ بدينهم ومذهبهم السني الوسطي.

وقد استقر الحضارم في الأراضي المقدسة، مكة المكرمة والمدينة المنورة، وفي غيرهما من مدن المملكة، حتى أصبح من النادر أن تجد بيتاً في حضرموت إلا وله ثلاثة أو أربعة من أبنائه مقيمون في السعودية.

كان الحضارم يشدّون الرحال إلى مكة لأداء فريضة الحج، وإلى المدينة المنورة لزيارة قبر المصطفى ﷺ، وكثيرٌ منهم تلقّى علوم الشريعة والفكر الديني أثناء إقامته في مكة المكرمة على أيدي علماء حضارم وسعوديين، ومكثوا سنواتٍ طويلة في طلب العلم. بعضهم عاد إلى حضرموت حاملاً هذا العلم ليعلّم الناس أصول الدين وأحكام الشريعة وعلوم الفقه، بينما فضّل آخرون البقاء في رحاب مكة والمدينة.

ولم يقتصر دور الحضارم على طلب العلم، بل مارسوا التجارة النظيفة مع أبناء المملكة ومع الشعوب الوافدة في مواسم الحج والعمرة، واشتهروا بالصدق والأمانة وحسن المعاملة.
ورغم مشقّة الرحلة من حضرموت إلى الحجاز براً عبر قوافل الجمال، والتي كانت تستغرق ثلاثة أشهر أو أكثر، فإن الحضارم لم يكونوا يحسبون للتعب حساباً في سبيل أداء فريضة الحج واستكمال ركنٍ من أركان الإسلام.

كما هاجر كثير من الحضارم إلى دول آسيا وأفريقيا، ومن هناك كانوا يتجهون إلى الأراضي المقدسة لأداء الحج والعمرة، بل إن عدداً منهم امتلك سفناً وأساطيل نقلت الحجيج من جنوب شرق آسيا من ذوي الأصول الحضرمية إلى ميناء جدة الإسلامي.

ومع تأسيس المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيّب الله ثراه ـ وبعد اكتشاف النفط، اتجه آلاف الحضارم إلى السعودية عبر الطرق البرية، مستخدمين سيارات «الونيت» عبر صحراء الربع الخالي، بينما سافر آخرون بحراً من موانئ الشحر والمكلا، أو جواً عبر مطارات حضرموت. واستقروا في المملكة طلباً للرزق والعمل، واندمجوا في المجتمع السعودي، وتجنس الكثير منهم بالجنسية السعودية، دون أن تنقطع صلتهم بحضرموت، حيث ظلوا على تواصل دائم مع أهلهم وأسرهم، يزورونهم بكل أريحية.

وهذا كله يبيّن عمق العلاقات السعودية الحضرمية، فقد اندمج الحضارم في المجتمع، وتزاوجوا، وتشاركوا مع إخوانهم السعوديين في التجارة والعمل، ولم يجد السعوديون في الحضارم إلا الصدق والأمانة والتدين والعمل الجاد.

ورغم الحملات الإعلامية العدائية التي كان يشنّها نظام اليمن الجنوبي في عدن ضد المملكة العربية السعودية، فإن السعودية تحلّت بالحكمة وطول النفس، ولم تلتفت إلى خزعبلات النظام الماركسي آنذاك.

أصبحت السعودية جزءاً من ثقافة الحضارم، وأصبح الحضارم من أكثر الشعوب إخلاصاً للمملكة، بحكم القرب الجغرافي والاندماج الاجتماعي والروابط الحضارية العميقة.

وأذكر هنا قصة طريفة: كنا ندرس في بلدٍ خارج الجزيرة العربية، وتعرّفنا على إخوة سعوديين كانوا زملاء لنا في دراسة الدكتوراه. قال لي أحدهم، وهو باحث في القضايا الجنائية في السعودية، إنه زار سجون المنطقة الشرقية قبل سبع سنوات لإجراء مسحٍ ميداني ودراسة إحصائية، ولم يجد بين السجناء ولا سجيناً واحداً من الحضارم، رغم وجود سجناء من جنسيات عربية وأجنبية متعددة. وعندما سأل مسؤولي السجون عن ذلك، أجابوه: «هؤلاء منا وفينا، ولا يكاد أحدٌ منهم يقترف جرماً، لأنهم أهل دين وصدق وأمانة وتجارة نظيفة».

ويدلّ هذا على أن الحضارم يعدّون المجتمع السعودي جزءاً منهم، ولذلك أحبّهم السعوديون، وبنوا معهم علاقات اجتماعية متينة قائمة على الاحترام المتبادل، نظراً لتواضع الحضارم وبُعدهم عن التكبر، إضافةً إلى إسهاماتهم الكبيرة في نهضة المملكة.

حفظ الله بلاد الحرمين الشريفين وقيادتها، ووفّق إلى توثيق مزيد من العلاقات الحضرمية السعودية، وهو ما تجلّى بوضوح في أحداث يناير 2026، حين وقفت الحكومة السعودية موقفاً حازماً بعد استنفاد كل محاولات إقناع الأطراف المعتدية بسحب قواتها من حضرموت، باعتبار حضرموت جزءاً من الأمن القومي السعودي وعمقاً استراتيجياً وروابط حضارية راسخة، وإخلاص أهلها للمملكة إخلاصٌ يفوق الوصف.
والله من وراء القصد.

إغلاق