التغيير الحقيقي يبدأ من استعادة الدولة وخدمة المواطن
بقلم / أ. فؤاد سالم باربود مستشار وزارة التربية والتعليم
31 يناير 2026
بعد ما شهدته حضرموت والمهره وكل المحافظات الشرقية والجنوبية وإعلان المجلس الانتقالي حل نفسه ، ومن أحداث وتحولات سياسية وأمنية، يظل السؤال الجوهري الذي يشغل المواطن اليمني اليوم: إلى أين نتجه؟ وما هو المسار الذي ينبغي أن تسلكه البلاد للخروج من حالة الاستنزاف الطويلة؟
إن استعادة الدولة اليمنية، وعاصمتها صنعاء، من قبضة مليشيات الحوثي الإرهابية، تظل الهدف الوطني الأعلى الذي لا يقبل التأجيل أو المساومة، وهو المدخل الطبيعي لاستعادة السيادة وبناء دولة النظام والقانون. غير أن هذا الهدف، رغم مركزيته، لا يمكن فصله عن استحقاقات داخلية ملحّة تمس حياة الناس اليومية وتحدد مدى ثقتهم بالسلطة الشرعية ومؤسساتها.
لقد أثبتت التجارب أن أي مشروع وطني لا يستند إلى توافق داخلي واسع يظل هشًا وقابلًا للانتكاس. ومن هنا تبرز أهمية الحوارات اليمنية – اليمنية، بوصفها الإطار الأجدر للتفاوض حول شكل الدولة القادمة، دولة عادلة تتسع لكل أبنائها، وتستند إلى تراكم وطني سابق لا يجوز القفز عليه، وفي مقدمة ذلك مخرجات الحوار الوطني الشامل، والمرجعيات الثلاث التي حظيت بإجماع وطني وإقليمي ودولي.
لكن، وبموازاة المسار السياسي والعسكري، يقف المواطن اليوم أمام واقع معيشي ضاغط، جعله أكثر تطلعًا إلى نتائج ملموسة، لا إلى خطابات أو وعود مؤجلة. فالناس تنتظر تحسنًا حقيقيًا في الخدمات الأساسية، وتبحث عن أسعار تتناسب مع دخولها المحدودة، في ظل انهيار العملة وارتفاع كلفة المعيشة.
الكهرباء، والمياه، والمحروقات، لم تعد ملفات خدمية عادية، بل أصبحت عناوين للاستقرار الاجتماعي، ومؤشرات على جدية الدولة في القيام بواجباتها. كما أن قطاعي التعليم والصحة يمثلان حجر الأساس لأي تعافٍ وطني، وأي إهمال لهما يعني تكريس الفقر والجهل وتوسيع فجوة المعاناة.
هنا تحديدًا يكمن جوهر التغيير الحقيقي: أن يشعر المواطن بأن الدولة حاضرة في حياته، تحميه، وتخدمه، وتصون كرامته. فاستعادة الدولة لا تُقاس فقط بالخرائط والسيطرة الجغرافية، بل تُقاس بقدرتها على توفير الحد الأدنى من العيش الكريم لمواطنيها.
إن مجلس القيادة الرئاسي، وهو يتحمل مسؤولية المرحلة في ظرف استثنائي بالغ الحساسية، مطالب اليوم بإدارة المعركة على أكثر من جبهة: جبهة استعادة الدولة، وجبهة بناء التوافق الوطني، وجبهة تحسين الأوضاع المعيشية والخدمية. وهذه الجبهات لا تتعارض، بل يكمل بعضها بعضًا.
فالدولة التي ننشدها لن تقوم إلا بسواعد أبنائها، وثقة مواطنيها، وعدالة مؤسساتها. وأي تأخير في الاستجابة لمطالب الناس المشروعة، يفتح المجال لليأس، ويمنح الخصوم فرصة الاستثمار في معاناة المواطنين.
إنها لحظة مسؤولية تاريخية، تتطلب قرارات شجاعة، وإدارة رشيدة، وإرادة سياسية تضع المواطن في صدارة الأولويات، بوصفه الغاية والوسيلة معًا في معركة استعادة الدولة وبناء اليمن الجديد.






