عندما تُبتكر الأبجدية ..!
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : سالمين سعيد بنقح
30 يناير 2026
ليس كل الشعراء سواء وليس كل الكُتّاب سواء فهناك شاعرٌ يكتب كل شيءٍ إلا الشعر وهناك كاتبٌ بينه وبين الكتابة بونٌ شاسع لا يعرف منها سوى اسمها وهكذا دواليك، وفي المقابل ثمة من يجيدون ابتكار الأبجدية ويطوّعون الحرف حتى تغدو كل اللغة رهن إشارتهم ومن أولئك الذين حباهم الله بيانًا ناصعًا وقلمًا سيّالًا لا يجف وكأنهم يغرفون من بحر ويقطفون من ثمار اللغة أطيبها وألذها مذاقًا ومن هولاءِ الأستاذ الأديب مبارك بن جوهر، جوهرة حضرموت وأديبها الذي نستشرفُ في ملامحه وملامح حرفه مستقبلًا باهرًا فقد قطع شوطًا كبيرًا وهو ما زال في مقتبل العمر ومن قرأ كتاباته عرف ما أرمي إليه فهو لم يكتفِ بالشعر فحسب بل واصل إبداعه في الرواية والمسرحية كتابةً وتمثيلًا وفي المسلسلات وغيرها فكان يبدع أين ما كان ولا ينافس إلا نفسه ولا يبتغي إلا قمة المجد ومن كان قدوته أبو الطيب فلا عذر له ألا يكون ذا همة عالية ونفسٍ توّاقة لمعانقةِ الثريا وقد أصبحنا في كل يوم نطالبه بأن يكون أفضل من اليوم السابق:
“لا عُذرَ للشجرِ الذي طابت له
أعراقهُ ألا يطيب جناهُ”
كما يقول أبو عبادة البحتري، إنّ مبارك ليس كغيرهِ من الكُتّاب أو الشعراء إنه لا يكتب لمجرد الرفاهية الأدبية هكذا أحب أن أسميها ولا يكتب شعورًا مصطنعًا بل إنه في كل عمل يكتبه يضع جزءًا من روحه بين صفحاته، يخاطب الروح قبل كل شيء وإنّ القارئ لأعماله سيجد أنّ لها قيمة أدبية كبيرة لا تشبه أي عملٍ أدبي آخر وكلما مرّ بي شيء من إبداعه أستحضر مباشرةً بيت شاعرنا الكبير علي أحمد باكثير:
“ولو ثقفت يومًا حضرميًا
لجاءك آيةً في النابغينا”
أرسل إليّ الصديق مبارك مشكورًا آخر ما خطه قلمه البديع وهما كتابان الأول في أدب الرسائل أو كما يُعرّفه النقاد النثر الفني وعنوانه: “هدية عيد الميلاد” والثاني رواية بعنوان الرصيف الثاني وسأفرد لها مقالًا آخر في حينه بإذن الله، سارعت بقراءة هديته النفسية هدية عيد الميلاد بكل شغفٍ وحماس لأنني أحب هذا الفن الفريد من الأدب وأجدُ نفسي فيه فهو بوحٌ صادق يتجرد فيه الإنسان ويبدو مكشوفًا لقرائيه بعيدًا عن المثالية المفرطة التي يلبس أثوابها كثير من الكُتّاب، قلّبت تلك الصفحات الإلكترونية بكل متعة فمبارك عندما يكتب يدهشك ويأسرك بأحرفه البرّاقة التي تجعلك أسيرًا لها، كانت تلك الرسائل التي خطتها جميلة لمحبوبها سعيد مليئةً بالحب والخوف إنها ثنائية عجيبة جمعت بين ذينك العاشقين، وكم هي قاسية الجغرافيا عندما تفرق بين حبيبين أضناهم الحب والغرام، عشت مع سعيد قلقه وانتظاره لميلاد طفله الأول من محبوبته جميلة ذلك الطفل الذي أطلقت عليه اسم “يمان” من اليُمن والبركة، وقد حلّت البركة على أدبنا الحضرمي بمثل هذا الكتاب الذي جاء مضمخًا بالجمال والإبداع فما أحوجنا إلى كُتّابٍ مثل مبارك يجيدون ابتكار الأبجدية ويتفننون في مداعبة مشاعرنا وينقلوننا من شعورٍ إلى آخر فنعيش معهم لحظات بؤسهم وفرحهم وننتشي كلما انتشوا فرحًا ونغرق في بحر الحزن كلما غرقوا فيه.
إنّ هذا الكتاب له الفتح المبين لهذا النوع من الأدب الصادق الذي يخاطب النفس ويكشف خباياها ويسلط الضوء على جزءٍ حساس من حياة الكاتب والشاعر لا سيما وأنّ مجتمعنا الحضرمي لم يتقبله بعد ربما لِعُقدٍ نفسية ما زال يعاني منها! ولكن مبارك أقدم على خطوةٍ شجاعة ستشجع الكُتّاب الآخرين على خوض غمار هذه التجربة ومنهم أنا، فعمّا قريب سأصدر كتابًا في نفس هذا الباب بيد أنّ رسائله جاءت من طرف واحد فعل به الحب الأفاعيل!، أما مبارك فقد ابتكر طريقته الخاصة في هذا الفن فجعل الرسائل بين طرفين وجمّلها بالقصائد والأبيات التي تسيل رقةً وعذوبة وهذا مما لم يسبقه إليه أحد على حد علمي.
كلما قلبت صفحةً من صفحات هذا السِفر العظيم يتراءى أمامي غسّان كنفاني وغادة السمان وميلينا وكافكا وجبران خليل جبران ومي زيادة، وألبير كامو وماريا كازاراس والرافعي وغيرهم ممن كتبوا رسائل تفلق الصخر لجمالها وألمها!، والعجب كل العجب كيف للألم أن يكون جميلًا ولكننا بشر نحب الجمال كيفما كان وكيفما كانت صورته حتى لو كان جمالًا ملؤه الألم والحزن فإنّ ألمه هذا لا يخرجه من دائرة الجمال، وخذ في ذلك مثلًا شرودًا في قصة قيس وليلى ذلك المجنون الذي كان يتلذذ بهذا الحب الذي كان ينهش روحه لكنه جميل! ونحن الذين جئنا بعده نتلذذ بهذا الشعر ونعيش معه حالته الشعورية ونقول: حمدًا لله أنه عانى هكذا وإلا كنا سنحرم من هذا الجمال!
لا أريد أن أتناول الكتاب من منظورٍ نقدي فلستُ من أهل النقد ولا أفقهُ كثيرًا من نظرياتهم ولكنني أردتُ فقط أن أعبّر عما في نفسي عندما قرأتُ هذه التحفة الفريدة للصديق العزيز مبارك وكم أنا مشتاق لتحسسها ورقيًا في القريب العاجل فعلى ما يبدو أنني سأعيد القراءة مراتٍ ومرات؛ لأنّ مثل هذه الكتب لا تقرأ مرة واحدة وإنما تقرأ كلما احتاج المرء أن يخلع عن نفسه ثوب المثالية والتصنع وما أحوج الإنسان إلى التخلي عن كل هذه المثالية والتجلد الذي يفقده إنسانيته.
قد لا يقبل الشارع اليوم مثل هذا البوح الصادق لكنهم سيعودون بعد ردح من الزمن ويندمون على كل هذا التصنع ولكن بعد فوات الآوان، لعلهم حينها سيدركون أنّ الإنسان الحضرمي ليس مختلفًا عن باقي البشر إنه يحن كغيره ويبكي كغيره ويحزن كغيره وأنّ نظرتهم هذه اتجاه الحب وهي نظرة “قاصرة”-خاطئة بل وظالمة وأرجو أن أدرك ذلك اليوم الذي يكون فيه البوح أمرًا عاديًا وليس نوع من التضعضع والضعف!.
لقد جعل هذا الكتاب ليالي الرياض الحارة باردة لأنّ نسماته كانت بردًا وسلامًا على كبدي.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






