الإرث النضالي لعلي سالم البيض… بين صناعة الصورة وطمس الذاكرة
بقلم / محمد محفوظ بن سميدع
أعادت قناة حضرموت الزرقاء عبر برنامج حديث المنصات طرح اسم علي سالم البيض تحت عنوان «إرث نضالي خالد» وقدمت سيرته السياسية من خلال استعراض المناصب التي تقلدها منذ ستينيات القرن الماضي وحتى مرحلة الوحدة اليمنية. غير أن الإشكالية لا تكمن في سرد المناصب بل في انتقائية السرد وفي القفز المتعمد فوق محطات دامية شكّلت جوهر تجربة البيض السياسية خصوصًا في حضرموت التي كانت إحدى أكثر الساحات تضررًا من سياساته وقراراته.
لا خلاف على أن علي سالم البيض شغل مواقع متقدمة في الدولة والحزب من وزارة الدفاع والخارجية إلى محافظ حضرموت وعضوية المكتب السياسي ثم الأمانة العامة للحزب الاشتراكي وصولًا إلى منصب نائب رئيس الجمهورية بعد وحدة 1990م.
لكن تحويل هذه المواقع إلى “إرث نضالي” دون التوقف عند ما جرى خلالها لا يعدو كونه إعادة إنتاج لصورة سياسية منزّهة عن الوقائع ومحاولة لتقديم التاريخ مبتورًا عن نتائجه وآثاره.
في 21 سبتمبر 1967م عاد علي سالم البيض من عدن إلى المكلا برفقة عبدالله الأشطل وعبدالباري قاسم وتم تسليم قيادة ساحل حضرموت لهما مع إقصاء القيادات الحضرمية التي كانت تدير شؤون المحافظة بعد سقوط السلطنة القعيطية.
كانت تلك الخطوة إيذانًا بمرحلة لم تقم على الشراكة أو احترام الخصوصية الحضرمية بل على الإقصاء والتصفية وإعادة تشكيل الواقع بالقوة.
وخلال توليه وزارة الدفاع ارتبط اسمه بمحطات عسكرية كارثية أبرزها تفكيك وتصفية جيش البادية الحضرمي والزج بالقوات الحضرمية في حروب عبثية لا تخدم حضرموت ولا مصالح أبنائها من حرب الوديعة إلى حرب “القارة السوداء” ضد العوالق وقصف حصون الباقروان بالطيران لرفضهم الاعتراف بالحكم الجديد إضافة إلى شن حملة عسكرية واسعة في وادي حلفون ضد قبائل الحموم خلّفت قتلى ودمارًا وشرخًا اجتماعيًا عميقًا ما تزال آثاره حاضرة.
وحين تولى منصب محافظ حضرموت دخلت المحافظة واحدة من أكثر مراحلها قسوة في تاريخها الحديث حيث شهدت تلك الفترة سحل العلماء والدعاة وتصفية شيوخ القبائل والوجهاء واغتيال قيادات عسكرية حضرمية وانتشارًا واسعًا للإرهاب السياسي.
وقد وثّق الدكتور سقاف بن محمد الكاف جانبًا من هذه الوقائع في مقاله المعروف «ديمقراطية الاشتراكي اليمني»، مسميًا الضحايا ومناطق تصفيتهم في شهادة تاريخية يصعب القفز عليها.
ويذكر المغفور له بإذن الله الدكتور صالح باصرة أن أبرز ما عُرف عن تلك المرحلة كان افتتاح مكتبة ماو تسي تونغ في المكلا في وقت كانت فيه حضرموت تفقد خيرة علمائها وقياداتها.
وقبل سنوات نشر علي ناصر محمد مذكراته وتحدث فيها بإسهاب عن مسيرته وحمّل علي سالم البيض مسؤولية كثير من الأخطاء والانحرافات. فسارع البيض إلى الرد عبر مذكرات نُشرت على لسان صحفي مقرب منه لكنه تعمّد حصرها في الفترة من 1978م حتى 1994م متجاوزًا أخطر عقد في مسيرته وهو عقد وزارة الدفاع ومحافظة حضرموت، الذي شهد “الأيام السبعة” والانتفاضة الفلاحية وقوانين التأميم والإصلاح الزراعي وقانون الأسرة الذي كان البيض نفسه أول من اخترقه.
وتجاهل هذه المرحلة لم يكن سهوًا بل قرارًا واعيًا لطمس الذاكرة والتهرب من المسؤولية التاريخية.
إن الإرث النضالي لا يُقاس بعدد المناصب ولا بطول الشعارات ولا ببرامج التلميع الإعلامي بل يُقاس بما يتركه القادة وراءهم من آثار في حياة الناس وأمنهم واستقرارهم وكرامتهم. وفي ميزان حضرموت فإن حصيلة تلك المرحلة كانت دماءً وتصفيات وقمعًا وتمزيقًا للنسيج الاجتماعي ما تزال جراحه مفتوحة حتى اليوم.
يقول الله تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق»
ويقول صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بتاريخ حضرموت هو تجميل المراحل السوداء وإعادة تدويرها تحت مسمى “الإرث النضالي”.
وعند الله تلتقي الخصوم.






