حضرموت بين الغنيمة والقرار | قراءة في التاريخ ومسؤولية الحاضر
بقلم / المقدم عبدالله علي باظفر
الاثنين 26 يناير 2026
دخلت حضرموت تحت مظلة دولة الجنوب عام 1967 بالقوة، وخلال ما يقارب 23 عامًا جُرِّدت من قرارها، وتعرّض أهلها لتعاملٍ قائم على فكرة «الغنيمة». جرى تهميش الحضارم وإقصاؤهم من المناصب العسكرية، وكان تفكيك جيش البادية الحضرمي نموذجًا صارخًا لذلك. أما من عارض، فكان مصيره الإخفاء القسري، وسُهِّلت في الوقت نفسه هجرة الحضارم إلى دول الجوار، بما أفرغ الأرض من طاقاتها.
ثم جاءت وحدة 1990، ولم يتغير الجوهر؛ فالتعامل مع حضرموت بوصفها غنيمة استمر، لكن هذه المرة من قِبل نخب شمالية. تكرّر الأسلوب ذاته: تسهيل الهجرة، والاستحواذ على المناصب السيادية، وإقصاء الكفاءات الحضرمية عن مواقع القرار.
أمام هذا الواقع، تشكّلت العصبة الحضرمية بشعارٍ واضح: حضرموت دولة، وكفى العبث بها. وعندما اندلعت ثورة 2011، توحّدت معظم الأحزاب، لكن صوت العصبة غُيِّب عمدًا؛ لأن خطابها كان حضرميًا خالصًا يدعو إلى توحيد الصف الحضرمي، ويؤكد أن الوقت قد حان ليحكم الحضارم أرضهم بأنفسهم. هذا الخطاب قوبل بالرفض؛ إذ رأت فيه القوى الأخرى تهديدًا لمفهوم «الغنيمة».
والمفارقة المؤلمة أن صورة نمطية رُوِّجت طويلًا لدى كثير من الشماليين والجنوبيين مفادها أن الحضرمي «تابع، غني، لكنه جبان»؛ وهي صورة زائفة لا تخفى على أحد.
غير أن الحضارم أثبتوا عكس ذلك بالفعل لا بالقول. فتكوَّن حلف قبائل حضرموت، ثم النخبة الحضرمية، ثم مؤتمر حضرموت الجامع، ثم مجلس حضرموت الوطني، وأخيرًا قوات حماية حضرموت. وكانت نتيجة هذا المسار أن أصبحت حضرموت اليوم بيد أبنائها، بعد أن صحا الحضارم من سباتهم العميق وقالوا بوضوح: لن يحكم أرضنا غيرنا.
وبسبب هذا التحول، نشهد اليوم حملة تخوين ممنهجة ضد الحضارم، واستهدافًا مباشرًا لرموز حضرموت، ومحاولات للتقليل من شأنهم عبر إطلاق مسميات وأوصاف تنكرها قيم ديننا الحنيف، وترفضها عاداتنا وتقاليدنا. ومن أمثلة ذلك استخدام ألفاظ قدحية تُلصق بالحضارم للتشكيك في شجاعتهم أو وطنيتهم، أو نعت رموزهم بأوصاف تُسقط عنهم الشرعية الأخلاقية والاجتماعية. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على نظرة دونية متجذّرة، وعلى إصرارٍ لدى البعض على التعامل مع حضرموت كغنيمة لا كأرضٍ لها أهلها وقرارها.
حضرموت اليوم ليست هامشًا، ولا تابعًا، ولا غنيمة. إنها كيان تاريخي وجغرافي وإنساني، له أهله وقراره وخصوصيته.
رسالتي إلى جميع الحضارم
هذه فرصة تاريخية قد لا تتكرر. فوحدوا صفوفكم، واجتمعوا على كلمةٍ واحدة، ولا تُقصوا أحدًا، واحتووا الجميع من أجل حضرموت ومستقبل أبنائكم. ولكم في ما مضى خيرُ تجربةٍ وعِبرة.
سيحاولون تفكيككم وزرع الفتنة بينكم، وقد بدأوا بذلك منذ وقت، عبر التشكيك، والتخوين، وضرب الرموز، وبث الخلافات الداخلية. تذكّروا جيدًا: إن تم تفكيككم اليوم، سيُنزع قرار حضرموت لعقودٍ قادمة، وقد تمتد إلى ستين عامًا، وسنعود إلى مربع الصفر من جديد.
فليكن شعار الجميع، بلا تردد ولا مساومة:
حضرموت أولًا






