كيف خانت بريطانيا حضرموت؟
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : م. صالح بن سعيد المرزم
23 يناير 2026
ما جرى لحضرموت في عام 1967 لم يكن انتقالًا سياسيًا طبيعيًا، ولا “انسحابًا مسؤولًا” كما تحاول بعض القراءات تلطيفه، بل كان خيانة مكتملة الأركان نفذتها بريطانيا ببرودٍ استعماري، أنهت فيها التزاماتها الأخلاقية والقانونية تجاه حضرموت بطريقة مهينة ومتعجلة.
بريطانيا التي وقّعت اتفاقية حماية مع السلطنة القعيطية، وأسست وجودها السياسي والعسكري في حضرموت لعقود، ألغت هذه الاتفاقية عمليًا في ظرف زمني قصير لا يتجاوز أربعًا وعشرين ساعة، ودون أي ترتيبات تحفظ كرامة الكيان الذي كانت تزعم حمايته. هذا ليس استنتاجًا نظريًا ولا قراءة لاحقة، بل واقعة رواها لي السلطان غالب بن عوض القعيطي شخصيًا، وهو شاهد حيّ على ما جرى، لا يزال على قيد الحياة ومقيمًا في جدة.
الأدهى من ذلك أن بريطانيا، بعد أن نزعت الغطاء القانوني والسياسي عن السلطنة، سلّمت حضرموت في اليوم التالي مباشرة للجبهة القومية، وهي قوة أيديولوجية مسلحة لم تكن تمثل الإرادة الحضرمية ولا نسيجها الاجتماعي، بل فُرضت فرضًا تحت منطق “من يملأ الفراغ”. وهكذا، أُسقطت دولة قائمة، وأُلغي كيان تاريخي، بينما حاكمه الشرعي حيّ يُرزق، في سابقة سياسية فاضحة.
أما الحديث عن مستقبل حضرموت، فليس صحيحًا أن بريطانيا لم تفكر يومًا بجعلها دولة. على العكس، كان هناك توجه بريطاني رسمي يقضي بمنح حضرموت وضعًا دوليًا مستقلًا، وقد جرى التداول بهذا التوجه داخل المؤسسات البريطانية، وحصلت عليه موافقات سياسية عليا. لكن هذا المسار أُجهض في اللحظة الأخيرة، لا لأسباب حضرمية، بل بدوافع أيديولوجية ودينية غربية.
الاعتراض لم يكن سياسيًا بحتًا، بل جاء من دوائر دينية نافذة في بريطانيا، رأت أن الحضارم يمثلون خطرًا حضاريًا حقيقيًا. فالحضارم، دون دولة ودون جيوش، نشروا الإسلام في شرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا عبر التجارة والأخلاق والعلم، لا بالسلاح ولا بالاحتلال. وكان السؤال الذي أقلق تلك الدوائر:
إذا كان هذا تأثيرهم وهم بلا دولة… فكيف سيكون حالهم إن امتلكوا دولة وسيادة وثروة؟
من هنا، لم تعد حضرموت في نظر الغرب كيانًا صغيرًا على هامش الجغرافيا، بل قوة روحية وثقافية محتملة قد تعيد رسم التوازنات في المحيط الهندي وشرق أفريقيا. ومع تزايد المؤشرات حول وجود النفط في حضرموت، تعزز هذا القلق، وتحوّل إلى قرار عملي: محاصرة حضرموت سياسيًا، ومنع قيام دولتها، وتسليمها لقوى تضمن تفكيكها من الداخل.
لهذا يمكن القول بوضوح:
بريطانيا لم تخطئ في حضرموت… بل تعمدت الإضرار بها.
خانتها حين ألغت الحماية،
وخذلتها حين سلّمتها لقوى دخيلة،
وحاربتها لأنها رأت فيها مشروع أمة، لا مجرد إقليم.
وما لم يُفهم هذا التاريخ كما هو، بلا تجميل ولا تبرير، فسيظل السؤال الحضرمي معلقًا، وستظل حضرموت تدفع ثمن قرارٍ اتُخذ في لندن، لا في المكلا ولا في سيؤون.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






