إشكالية الديمقراطية الحزبية بين الشعار والممارسة: نقد فلسفي – سياسي وفحص واقعي لحدود الجدوى والبدائل
تاربة_اليوم /كتابات واراء
بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
الخميس، 22 يناير 2026م
تُقدَّم الديمقراطية في الأدبيات السياسية المعاصرة بوصفها النموذج الأمثل لإدارة الشأن العام، وضمان المشاركة الشعبية، وتحقيق التداول السلمي للسلطة. غير أن التجربة التاريخية المقارنة، ولا سيما في المجتمعات الهشة أو الخارجة من الصراعات أو ذات البنى الاجتماعية المركبة، تكشف عن فجوة بنيوية عميقة بين الديمقراطية بوصفها شعارًا معياريًا، والديمقراطية بوصفها ممارسة سياسية واقعية ذات نتائج ملموسة.
في مثل هذه السياقات، كثيرًا ما تتحول الديمقراطية الحزبية من آلية لبناء الدولة الرشيدة إلى أداة لإعادة إنتاج النخب، وتصعيد الشعبوية، وتدوير الفشل المؤسسي تحت غطاء شرعية إجرائية. فبدل أن تكون وسيلة لضبط السلطة، تصبح أداة لاختطافها، وبدل أن تخدم الصالح العام، تتحول إلى سوق سياسية للمزايدات والهويات الفرعية والصراعات قصيرة الأمد.
ينطلق هذا المقال من فرضية نقدية واضحة مفادها أن الديمقراطية الحزبية بصيغتها السائدة ليست نموذجًا كونيًا صالحًا للتعميم، وأن الإصرار على استنساخها خارج شروطها التاريخية والمؤسسية يؤدي، في كثير من الحالات، إلى نتائج عكسية تهدد الاستقرار السياسي، وتضعف بنية الدولة، وتفرغ فكرة المشاركة السياسية من مضمونها الحقيقي.
وليس هذا النقد طارئًا أو وليد التجربة الحديثة، بل يمتد بجذوره إلى عمق الفلسفة السياسية الكلاسيكية. فقد حذر سقراط من تسليم القرار العام لعامة الناس دون علم أو حكمة، ورأى في ذلك مدخلًا للفوضى والظلم. وذهب أفلاطون إلى أن الديمقراطية المنفلتة تمثل مرحلة انحلال تسبق الطغيان، لأنها تطلق الحرية بلا ضوابط، وتفتح المجال لحكم الدهماء، وفي طرح آخر قال: حكم الغوغاء. أما أرسطو، فميز بوضوح بين المشاركة الشعبية المنضبطة بالقانون، وبين الديمقراطية الغوغائية التي تحكمها الانفعالات والمصالح الآنية، وهذه الأخيرة هي السائدة في عالمنا اليوم.
وتزداد راهنية هذه الانتقادات اليوم في ظل صعود الشعبوية، وتسييس الجهل، وتحويل الانتخابات إلى منافسات خطابية لاختيار الأكثر قدرة على التحشيد وتزييف الوعي الجمعي، لا الأكثر كفاءة في الحكم. ففي التطبيق العملي، لا تُنتج الديمقراطية الحزبية (الشعب) بوصفه كيانًا واعيًا ودائم الحضور، بل تُنتج ما يمكن تسميته بالشعب الانتخابي المؤقت؛ شعب يُستدعى قبيل الانتخابات ويُقصى بعدها، وتُعاد هندسته نفسيًا عبر أدوات التعبئة العاطفية المؤدلجة، والهويات الضيقة.
وتقود هذه الآلية إلى تصعيد نخب سياسية شعبوية فوضوية تفتقر إلى الخبرة والقدرة الإدارية، لكنها تتقن فنون الخطابة والمزايدة واستغلال القصور المعرفي للجماهير. ومع الزمن، تضعف مؤسسات الدولة، وتترهل الإدارة العامة، وتُدار السياسات بردود الأفعال لا بالتخطيط الاستراتيجي، فتتحول الديمقراطية من أداة إصلاح إلى آلية لتدوير الإخفاق وأدواته، وهذا ما نعيشه واقعًا اليوم.
وفي هذا السياق، يجري تقديس الصندوق الانتخابي بوصفه حلًا سحريًا لكل الأزمات، بينما تُهمل جودة ما بعد الانتخابات. فالمشكلة ليست في وجود الانتخابات بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى غاية نهائية، تُستخدم لتجميل اختلالات بنيوية عميقة. وهكذا تصبح الديمقراطية واجهة شكلية للاستهلاك الخارجي، بينما تحكم الواقع شبكات مصالح وتحالفات نفعية وفساد مُقنَّع بالقانون.
وتبلغ هذه الإشكالية ذروتها في المجتمعات ذات الدولة الضعيفة والهوية الوطنية الهشة، حيث لا تؤدي الديمقراطية الحزبية إلى تداول سلمي للسلطة، بل إلى تداول للفوضى. فهي لا تُنهي الصراع، بل تعيد إنتاجه بأدوات (شرعية)، ولا تبني الدولة، بل تسرع تفككها، وتحول الانقسام الاجتماعي إلى انقسام مؤسسي دائم.
في مقابل ذلك، تبرز تجارب دولية تكشف زيف الادعاء القائل إن الديمقراطية الحزبية شرط مسبق للتنمية. وتُعد سنغافورة نموذجًا دالًا في هذا السياق، حيث قاد لي كوان يو بلاده بنموذج حكم صارم وعقلاني، قائم على الكفاءة والانضباط وسيادة القانون، لا على التنافس الحزبي الشعبوي الغوغائي. لم تكن الأولوية لتعدد الأحزاب، بل لبناء دولة قوية، واقتصاد منتج، وإنسان مؤهل ومنضبط.
وقد قيد لي كوان يو العمل الحزبي عندما تعارض مع الاستقرار والتنمية، وحارب الفساد بلا هوادة، وفرض معايير صارمة لتولي المناصب العامة. وبعد أن أسس دولة حديثة متماسكة، سلم القيادة لجيل جديد صاغه عبر التعليم والانضباط المؤسسي، لا عبر الشعبوية الانتخابية أو تلك المقولبة وفق نماذج مؤدلجة مبنية على كره الآخر. وهنا تتجلى المفارقة الجوهرية: الديمقراطية لم تُلْغَ، بل أُجِّلت حتى نضجت شروطها.
ويمكن رصد منطق مشابه، مع اختلاف السياقات، في التجربة الصينية التي قدمت الكفاءة والتنمية على التعددية الحزبية، وفي كوريا الجنوبية خلال مرحلتها التأسيسية، حيث سبقت الدولة الديمقراطية، لا العكس. وتؤكد هذه النماذج أن الدولة القوية شرط لازم للديمقراطية المستقرة، لا نتيجة تلقائية لها.
إن نقد الديمقراطية الحزبية لا يعني تبرير الاستبداد أو الدعوة إلى حكم مطلق، بل يفتح الباب أمام بدائل أكثر واقعية، تقوم على الحوكمة القائمة على الكفاءة، وتعزيز النظم التوافقية المجتمعية، وتوظيف الدولة التقنية في القطاعات الحيوية، وتحييد العمل الحزبي في المراحل التأسيسية، مع التركيز على المساءلة المؤسسية العميقة بدل الاكتفاء بالمساءلة الانتخابية الشكلية.
بناءً على ما تقدم، نخلص في هذه القراءة إلى أن الديمقراطية الحزبية بصيغتها المتداولة ليست وصفة كونية، بل خيارًا مشروطًا بسياقه التاريخي والاجتماعي والمؤسسي. وفي كثير من المجتمعات، تحولت من أداة تمكين للشعوب إلى رافعة للأحزاب المؤدلجة أو الاستبدادية الكارثية. وتفرض اللحظة الراهنة شجاعة فكرية للتحرر من أسر الشعارات الجوفاء أو تلك المشحونة بالعواطف والبُعد الأيديولوجي، وبناء نماذج حكم رشيدة تُقدِّم الدولة على الحزب، والإنسان على الصندوق.
فالشعوب لا تحتاج إلى انتخابات تُخدِّرها دوريًا، بقدر ما تحتاج إلى دولة تحميها، وتخدمها، وتستثمر في إنسانها.
نسأل الله الهداية والتوفيق، والثبات على الصراط المستقيم.






