اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الجنوب: من قضية عادلة إلى مشروع مُستثمَر

الجنوب: من قضية عادلة إلى مشروع مُستثمَر

بقلم / أحمد عبدالقادر عمر بن الشيخ أبوبكر
الخميس 22 يناير 2026

لم يكن الجنوب اليمني يومًا مجرد جغرافيا قابلة للوصاية، ولا ملفًا إقليميًا يُتداول على طاولات المصالح، بل كان ـ ولا يزال ـ قضية إنسان وكرامة وهوية، قبل أن يُختزل قسرًا في صراع سلطة أو نفوذ.

وبعيدًا عن الجدل حول كيفية قيام دولة الجنوب سابقًا، أو توقيت إقحام حضرموت في ذلك المشروع، أو شكل الحكم في الدولة اليمنية الموحدة إن حُلّت قضية الجنوب حلًا عادلًا يرفع الظلم ويحقق الكرامة والعزة لشعبه، فإن جوهر القضية ظل ثابتًا: إنصاف إنسان، واستعادة حق، وصون هوية.

حين انطلقت ملامح الحراك الجنوبي الأولى، كان صوت الشارع هو العنوان، وكانت المطالب واضحة وسلمية، نابعة من وجع الناس وتطلعاتهم المشروعة. لم يكن فيها مكان لأصحاب الأطماع الضيقة، ولا لمرضى التشفي، ولا لأوهام استعادة الاشتراكية البغيضة. بل خضعت تلك المطالب لعملية فرز ونقاش، وجرى عرض مظلوميتها في برلمان النظام الحاكم، وفي قاعات المحافل الدولية، بطرح منطقي وواقعي.

غير أن المأساة الحقيقية بدأت حين جرى اختطاف القضية، وتحويلها من مشروع تحرر ومظلومية إلى أداة نفوذ إقليمي، ومن نضال شعبي صادق إلى صفقة سياسية تُدار من خارج الحدود.

وفي خضم هذا التحول، غُيِّب الأحرار، واغتيل الشرفاء، وأُقصي أصحاب المواقف المستقلة، ليفسح المجال أمام من ركبوا الموجة وتاجروا بقضية شعب، وفق أجندات خارجية؛ بعضهم عن وعي وإدراك، وبعضهم عن جهل وسذاجة، لكن النتيجة واحدة: تحويلهم إلى أدوات لتحقيق أهداف عميقة وخبيثة، لا علاقة لها بالجنوب ولا بأهله.

ومع انكشاف الأدوار وافتضاح المشهد، وانتقال الصراع إلى مرحلة اللعب المكشوف، جرى تجميد هؤلاء كما تُجمَّد أوراق اللعب؛ يُعاد استخدامها متى شاء الداعمون، وفي أي صراع يخدم مصالحهم، ثم يُلقى بها جانبًا عند أول فشل، لأن من اختارهم كان يعرفهم جيدًا، ويعرف حدودهم وعجزهم منذ البداية.

حينها تحوّل الوطن إلى استثمار، والنضال إلى مجلس بلا تفويض، والقرار إلى امتياز يُمنح لمن يملك المال والسلاح، لا لمن يملك الشرعية الشعبية.

وبين شرعية عاجزة عن أداء واجبها، ومجلس انتقالي مُموَّل يتحرك وفق حسابات الخارج، غاب القانون، وحضرت السجون، وتوسعت الجبايات، وتكفّل الإعلام التعبوي بتزييف الوعي وتخوين كل صوت مختلف.

لم يعد الجنوب يُدار بمنطق الدولة، بل بمنطق الغلبة؛ حيث تُقمع الحريات باسم الأمن، وتُصادر الحقوق باسم القضية، ويُختزل الجنوب في فصيل أو قيادة لا تمثل كل أبنائه، ولا تعكس تنوعه السياسي والاجتماعي.

قد يفشل مشروعهم، لكنه لن يفشل كفاح شعب. قد يزول باطلهم، لكن عدالة القضية ستبقى. فالجنوب لا يُدار بالمال ولا بالسلاح، ولا تُبنى قضاياه بالوصاية، بل بإرادة شعبه الحرة وحدها، عبر مسار ديمقراطي واضح، يبدأ باستفتاء حر، وينتهي بتقرير مصير بلا إملاءات ولا رعايات مشبوهة.

قضية الجنوب ليست يتيمة، ولن تبقى رهينة للمشاريع العابرة ولا لظلم الأنظمة المتعاقبة.

قد تطول الطريق، وقد تتعثر الخطوات، لكن الحقيقة الثابتة أن الشعوب لا تُهزم، وأن الحق يعود دائمًا إلى أهله، مهما طال زمن الاستثمار فيه، ومهما اشتدّ الظلم الواقع عليه.

إغلاق