اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الاستحقاق الحضاري والتاريخي لحضرموت

الاستحقاق الحضاري والتاريخي لحضرموت

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : أنس علي باحنان
18 يناير 2026

حضرموت ليست رقعة جغرافية عابرة في سجل التاريخ، بل هي وطن ضارب بجذوره في أعماق الحضارة الإنسانية، وحاضنة لميراث ثقافي وعلمي وأدبي وفكري تراكم عبر قرون متطاولة من العطاء والبناء. فقد شكّلت حضارة حضرموت في موروثها الثقافي والأدبي والعلمي والفلكلوري منارة مضيئة، تجلى إشعاعها في ما دونته بطون الكتب، وما حفظته خزائن المخطوطات من نفائس العلوم في الشريعة واللغة والأدب والتاريخ والعلوم الإنسانية والطبيعية، على امتداد عصور متعاقبة، تشهد على نبوغ الإنسان الحضرمي وعمق إسهامه الحضاري.
وخير شاهدٍ على ذلك ما تزخر به المكتبات العامة والخاصة من مخطوطات نادرة وكتب ثمينة، تمثّل ذاكرة حضرموت الحيّة، وسجلّها العلمي والفكري الذي لم ينضب. كما تتجسد الحضارة الحضرمية في رموزها الثقافية والعلمية، وأعلامها القدامى والمعاصرين، الذين تركوا بصماتٍ راسخة لا تمحي في شتى ميادين المعرفة والعلوم والفنون.
وإلى جانب ذلك، تقف المعالم الحضارية والتاريخية والأثرية شامخة، من حصون وقلاع، وقصور وسدود، وسواقي، ومدنٍ عتيقة، تحكي في صمت بليغ قصة إنسان حضرموت الذي نحت من الصخر مجدًا، وصاغ من الصحراء حضارةً فريدة الطابع، راقية الملامح، أصيلة الجذور.
وإذا ما استعرضنا الموروث الحضاري، فلا يمكن إغفال التراث الفلكلوري والشعبي، بما يحمله من فنون غنائية، ورقصات شعبية، ورسم ونحت وخط، وأهازيج، وعاداتٍ وتقاليد راسخة في الأفراح والأتراح، وأنماط المأكل والملبس والبناء والأسواق، وكلها مكونات شكلت هوية متفردة، وسمتا خاصا ميز الإنسان الحضرمي ووطنه عن سائر الشعوب.
ولهذا كان الحضرمي، على الدوام، سفيرًا لوطنه أينما حل، حاملاً معه هذا التراث والموروث الأصيل، ناقلا له إلى أصقاع الأرض. وتشهد على ذلك المجتمعات والجاليات الحضرمية في شرق آسيا، وأفريقيا، والهند، وأوروبا، وغيرها، حيث لم تذب تلك الجاليات في محيطها الجديد، بل استعصت على الذوبان، وعملت على “حضرمة” كثير من تفاصيل حياتها، حتى غدت وكأنها لوحات حية ونسخ نابضة من حضرموت الأم. بل وبلغ أبناء حضرموت أرفع المناصب السياسية والاقتصادية والمالية والثقافية والأدبية في تلك المجتمعات، في دلالة ساطعة على عمق التأثير الحضاري الحضرمي.
ذلك غيض من فيض ، واستعراض موجز لبعض ملامح الموروث الحضاري لحضرموت، بلاد الأحقاف، التي خلد ذكرها في محكم التنزيل. واليوم، وبعد أحداث ديسمبر، ومع تعالي الأصوات المطالِبة بإعادة مجد حضرموت ونيل حقوقها المشروعة، فإن الواجب الوطني والتاريخي يفرض علينا ألا نحصر مطالب حضرموت في الجوانب العسكرية أو الأمنية أو السياسية فحسب، بل أن نرتقي بالمطلب إلى مستواه الأشمل والأبقى: وهو الحق الحضاري والتاريخي.
فمن الواجب أن نسعى، بكل ما أوتينا من جهد، إلى إحياء ونشر الموروث الحضاري والعلمي لحضرموت، عبر إخراج مخطوطاتها إلى حيّز الوجود طباعة وتحقيقا، في أبهى حللها العلمية، وأن نُبرز أعلامها الثقافية والعلمية، ونمنحهم ما يستحقونه من تكريمٍ مادي ومعنوي. كما يتعين علينا العناية بمعالمنا الثقافية والأثرية، وجمع تراثنا الحضاري والفلكلوري والشعبي في الداخل والخارج، وتوثيق الصلة بين أبناء حضرموت في الوطن والمهجر، ولم شتات هذا الإرث المتناثر، وتوحيد الجهود للحفاظ عليه وصونه.
نعم، إن القيام بمثل هذا المشروع الحضاري الكبير يتطلب عملاً دووبا، وجهدا متواصلا، وتسخيرا صادقا لكل الطاقات والإمكانات، غير أنّ ثماره عظيمة، وعندها فقط يمكننا أن نقول، بثقة واعتزاز، إننا خطونا خطوة حقيقية نحو استعادة مجد حضرموت، وإحياء تاريخها التليد.
فهل نحن فاعلون؟
والتوفيق من عند الله.

المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع

إغلاق