اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

النظرية السياسية التي تتجاهل الإنسان والجغرافيا….

النظرية السياسية التي تتجاهل الإنسان والجغرافيا….

بقلم / م .حسين باراس
الخميس 15 يناير 2026

المثقف النخبوي، حين يكتب الرؤية وينظّر للفكرة، غالبًا ما يرى الخريطة أكثر مما يرى الإنسان. ينشغل بالمخططات الكبرى ويهمل العامل البشري، كأن السياسة معادلة هندسية لا تحكمها النفوس ولا تشوّهها الغرائز. نرسم الفيدرالية، أو الكونفدرالية، أو الدولة المركزية، ونغرق في توصيفات سياسية براقة، بينما نتجاهل أن جوهر الأزمة ليس في الشكل، بل في من يدير هذا الشكل.
فنحن لا نتعامل مع فراغ. نحن نتعامل مع إنسان تشكّل وعيه داخل خلفية زيدية مركزية، يرى نفسه الأحق بالحكم، والأجدر بالسيطرة، والأشجع في ميدان القوة، ويؤمن أن لديه قدرًا تاريخيًا وقدرة دائمة على الحشد. ونتعامل في الوقت ذاته مع مكوّن قبلي على تخوم الشمال، حملته هفوة تاريخية إلى وهم التفوق، فأقنع نفسه أنه العمود الفقري للجنوب، وأنه لولاه لما كان هناك جنوب أصلًا.
ننسى، أو نتناسى، أن من يصنع القرار السياسي في واقعنا ليس المثقف ولا المنظّر، بل غالبًا ذلك الجاهل الذي فشل في دخول كلية الطب، فالتحق بالكلية العسكرية بوساطة، ثم انتهى به المطاف رئيسًا. أو ابن الشيخ الذي دفع له والده المال ليلتحق بأي كلية، ثم وفّر له شبكة علاقات جعلته مدير إدارة، أو وكيل محافظة، أو حتى وزيرًا. هؤلاء لا تحكمهم النظريات، بل المصالح، ولا تقودهم الأفكار، بل الغرائز والولاءات.
نحن نحدّق طويلًا في تجارب الآخرين، ونحاول استنساخها فوق أرضنا، دون أن ننظر بصدق إلى داخلنا، إلى تاريخنا الاجتماعي، وإلى أمراضنا العميقة. نحن المجتمع الذي غرق في وهم الخلافة والدولة الإسلامية، بينما “أمير الجماعة” يسرق المساعدات باسم الدين. وهو ذاته المجتمع الذي صدّق اليساري الذي حفظ بضع شعارات، وعلّق صورة جيفارا، ودخّن سيجار كاسترو، بينما كان في الواقع إقطاعيًا متوحشًا، يرى في الاشتراكية مجرد أداة لتمكين العمال والفلاحين من رقاب القبائل، لا لتحريرهم.
هنا تتجلى المعضلة الحقيقية: الفجوة الهائلة بين النظرية والتطبيق. بين ما نكتبه على الورق، وما نعيشه على الأرض. فإذا أدركنا هذا الفرق، وتوقفنا عن خداع أنفسنا، ربما نستطيع أخيرًا أن نقترب من حل سياسي عقلاني، يقوم على فهم الإنسان قبل النظام، وعلى معالجة الواقع قبل استيراد الأوهام.

إغلاق