الأبطال لا يموتون… وحدهم الفقراء من يفعل.
بقلم / روان الاميري
في الحقيقة، تتراكم لدي إشكالات عميقة تجاه عدد من المفاهيم التي ترسخت في الوعي الجمعي العربي، وفي مقدمتها مفهوم الشهادة، وما يرافقه من قداسة تُمنح للحروب وكأنها غايات أخلاقية بذاتها.
فالحروب، حين تُقرأ خارج الخطاب التعبوي، نادرًا ما تقوم على قيم سامية، بل غالبًا ما تُدار بمنطق المصالح والاقتصاد وتوازنات النفوذ. ولم تكن الأوطان العربية، في معظم محطاتها التاريخية، ملكًا فعليًا لشعوبها، بقدر ما كانت رصيدًا ثابتًا في حسابات الساسة ومصدرًا دائمًا للربح والسلطة.
من هنا، جرى التلاعب بمفاهيم الانتماء والوطنية والتضحية، لا بوصفها قيمًا إنسانية حرة، بل كأدوات رمزية تُسخر لتجميل الخسارة، وتبرير الفناء، وإضفاء معنى أخلاقي على صراعات لا يدفع ثمنها إلا الإنسان العادي، الإنسان الذي يُدفع إلى الحرب لا بدافع الإيمان الخالص، بل بدافع الحاجة؛ حاجةٍ صاغتها البُنى نفسها التي تدّعي حمايته. فالخبز لم يكن يومًا مجرد غذاء، بل كان دائمًا أقدم أشكال السلطة، به تُروض الغرائز، وتُشترى الطاعة، ويُعاد تشكيل معنى الكرامة.
فحين قال يوليوس قيصر: “أعطوا الشعب الخبز والسيرك، ولن يثوروا أبدًا”، لم يكن يقدم نصيحة عابرة، بل يضع دستورًا أبديًا لإدارة الجماهير.
وهكذا تتحوّل الحروب إلى مسرح، ويُختزل الإنسان إلى دورٍ ثانوي في نصّ لم يكتبه. يُطلب منه أن يموت باسم الوطن، بينما الوطن نفسه غائبًا عن حياته، وحاضر فقط في خطابات الموت.
إن مفهوم الشهادة، كما يُروج له في الخطابات الدينية والسياسية، لا يمتّ إلى الدين بقدر ما هو أداة تعبئة رخيصة. فالدين، في جوهره، لم يكن مشروعًا للموت الجماعي، بل خطابًا أخلاقيًا للحياة، للعدل، ولصون الكرامة الإنسانية. أما تحويله إلى مصنع للموت، فذلك هراء مُقنع بآياتٍ تُنتزع من سياقها، وأحاديث تُعيد تعريف المقدّس بما يخدم اللحظة، لا بما يصون الإنسان. وهنا تحديدًا تُرتكب الخديعة الكبرى: إذ يُقدم الموت على أنه ذروة الإيمان، بينما تُهمَّش الحياة وكأنها تفصيل ثانوي لا قداسة له.
وبهذه الطريقة يُمنح الإنسان لقب شهيد بعد أن يُجرد من حقه في السؤال، وحقه في العيش، وكأن التكريم المؤجَّل يعوّض الخديعة السابقة.
إن الخطاب الإلهي، لم يقدّم الموت في الحرب بوصفه غاية، ولا دعا الإنسان إلى السعي إليه. بل على العكس، جاءت الحياة مكرمة، والقتل مُثقلًا بالتحذير، والعدوان مقيدًا لا مطلقًا. أما تحويل الموت في الصراعات السياسية إلى «شهادة» بالمعنى المتداول اليوم، فليس إلا خداعًا ممنهج، جرى تضخيمه وتقديسه حتى بدا وكأنه أصل من أصول الدين.
هذا الالتباس لم يكن بريئًا؛ إذ أتاح نقل مركز الثقل من مسؤولية القرار إلى قداسة النتيجة. فلم يعد السؤال: لماذا نقاتل؟، بل أصبح: كيف نموت بطريقة تليق بالسردية؟ وهنا تُغلق أبواب النقد، لأن أي مساءلة تُواجَه باتهامٍ جاهز: التشكيك في الإيمان.
وبالتالي، تم توظيف مفهوم الشهادة ليكن وعدًا مؤجلًا يُمنَح بعد الموت، حين ينتفي حق الاعتراض، ويصبح الصمت أبديًا. لا لأن الله أراد ذلك، بل لأن السلطة احتاجت إلى معنى يُسكت الجوع، ويبرر الدم، ويُضفي على الخسارة طابعًا مقدسًا.
إن هذا التأويل لا يخدم القيم التي جاء بها الدين، بقدر ما يخدم من يملك القرار، ويبحث دائمًا عمّن يدفع الثمن.
وبالمثل، جرى تشويه مفهوم البطولة، حتى لم يعد فعلًا أخلاقيًا واعيًا، بل طاعةً عمياء تُختزل في صورة شجاعة. فالبطولة الحقيقية تفترض الوعي، والاختيار، وتحمل المسؤولية، أما ما يُسوَّق اليوم فليس سوى استثمار في الجهل، حيث يُدفع الإنسان إلى الهلاك ويُقال له إنه بطل، بينما الأبطال الحقيقيون يجلسون في القصور، يصفّقون من بعيد، ويمنحون الأوسمة لمن يموت بدلًا عنهم.
هناك حدٌّ فاصل بين الشجاعة والغباء، لكن هذا الحد يُطمس عمدًا. فالشجاعة أن تعرف لماذا تقاتل، ولأجل من، وإلى أين ينتهي هذا الطريق. أما الغباء، فهو أن تموت وأنت تظن أنك اخترت، بينما القرار اتُّخذ عنك، والنتيجة حُصدت لغيرك.
إن هذا يجعلنا نعي أن الصراعات لا تُدار بالقيم، بل بالرموز، ولا يُقتل الإنسان برصاصة فقط، بل بسرديةٍ تُقنعه أن موته ضرورة، وأن حياته كانت مجرد وسيلة.
في النهاية، لا الدين دعا إلى هذا، ولا البطولة تعني ذلك. ما يحدث ليس سوى إعادة تدوير للمفاهيم النبيلة، بعد تفريغها من معناها، لتخدم أصحاب السمو، لا الإنسان، ولتحفظ العروش، لا الأرواح.
وعليه، فإن إعادة النظر في هذه المفاهيم ليست فعل تمرّد على الدين، بل محاولة لاستردادها من قبضة الاستغلال. فالإيمان الذي يُخاف عليه من السؤال ليس إيمانًا، والقداسة التي لا تحتمل النقد ليست إلا سلطة متنكرة.
إن أخطر ما في هذه السرديات ليس أنها تقتل الجسد، بل أنها تُصادر العقل قبل ذلك، وتُقنع الإنسان أن أعظم أدواره هي التضحية. بينما الحقيقة أبسط وأقسى: لا قداسة لموتٍ صُنع لخدمة المصالح، ولا بطولة في غياب الوعي، ولا شرف في حرب لا يعرف فيها المقاتل لماذا بدأها، ولا من سينهيها، ولا من سيقطف ثمارها.
وحدها الحياة التي تُختار بوعي، وتُدافع عن كرامة الإنسان، هي ما يستحق أن يُنسب إلى القيم، وإلى الدين، وإلى المعنى الحقيقي للإنسان.
ما يُسمى اليوم شرفًا، ليس إلا صفقة خاسرة يُقايض فيها الجسد بمعنى مُعلَّب، صاغه من لا يموتون ولا يُحاسَبون. صفقة يُطلب فيها من الإنسان أن يدفع حياته كاملة، مقابل وهمٍ لغوي لا يملك حتى حق مراجعته.
بقلم: روان الأميري






