اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

حضرموت والاستحقاق السياسي المؤجل: رؤية واقعية لمستقبل آمن

حضرموت والاستحقاق السياسي المؤجل: رؤية واقعية لمستقبل آمن

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
6 يناير 2026

كنت قد تناولت في موضوع سابق الاستحقاق الأمني والعسكري لحضرموت عقب أحداث ديسمبر الفارط، وأتناول هنا الاستحقاق السياسي لحضرموت في أعقاب التطورات والأحداث الأخيرة التي شهدتها الساحة الحضرمية.
ولا شك أن الواقع السياسي في اليمن عمومًا، وفي حضرموت على وجه الخصوص، واقع بالغ التعقيد، إلى حدٍّ يصعب معه الوصول إلى صيغة سياسية أو نظام حكم يحظى بإجماع جميع الأطراف. ومن نافلة القول إن الوحدة الاندماجية بين الجنوب اليمني وحضرموت قد فشلت، كما فشلت الوحدة بين اليمن الشمالي والجنوبي وحضرموت، وهو ما يفرض علينا اليوم البحث الجاد عن صيغةٍ سياسية جديدة، ونظام توافقي عادل، يحقق الأمن والاستقرار، ويكفل العيش الكريم والسلام لكل المكونات دون استثناء.
لقد طُرحت أفكار متعددة، وأطروحاتٌ متنوعة، لرسم مستقبل اليمن ونظامه السياسي، بدءا بنظام الأقاليم، مرورا بالفيدرالية والكونفدرالية، وصولا إلى الإدارة المحلية والحكم المحلي، وغيرها من الصيغ. ولا ريب أن جميع هذه الرؤى تندرج في إطار الاجتهادات القابلة للنقاش والأخذ والرد. غير أن أحداث ديسمبر الأخيرة، وما شهدته حضرموت مؤخرًا، كشفت بما لا يدع مجالا للشك أن الوحدة الاندماجية بين حضرموت واليمن شماله وجنوبه قد فشلت فشلا ذريعا، وأثبتت الوقائع أن كثيرًا من اليمنيين لا ينظرون إلى حضرموت إلا بوصفها تابعا لا ندا، وأرضا مستباحة، وثروةً مباحة، وهوية يُراد طمسها وتشويهها.
وعلى ضوء هذه الحقائق والمعطيات، يصبح لزامًا الاعتراف بأن لا استقرار لليمن ولا لحضرموت إلا بالإقرار الصريح بالخصوصية، وأنه لا تعايش سلمي بين أقاليم اليمن كافة إلا باستقلالية كل إقليم في إدارة شؤونه. وإن من كبريات أقاليم اليمن التاريخية والسياسية ثلاثة: اليمن شماله، واليمن جنوبه، وحضرموت. وهذه الأقاليم قد قامت فيها بالفعل دولٌ مستقلة، بأنظمتها السياسية والإدارية الواضحة، تمثلت في الجمهورية العربية اليمنية في الشمال، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، ودولة حضرموت التي مثلتها السلطنتان القعيطية والكثيرية في الشرق.
صحيح أن هناك سلطناتٍ أخرى، غير أنها لم تكن – من حيث البناء المؤسسي – بمستوى الدول التي أشرنا إليها. وإذا ما أخذنا سلطنتي حضرموت مثالًا، نجد أنهما بلغتا مستوى متقدما في التنظيم العسكري والأمني والإداري، بل ولربما فاقتا في بعض الجوانب دولتي الشمال والجنوب. كما أن جهودًا حقيقية قد بُذلت في حينه لتوحيد السلطنتين الكثيرية والقعيطية في دولة حضرمية واحدة، لولا التآمر الذي وأد ذلك المشروع في مهده.
وإذا انتقلنا للحديث عن واقع اليوم، فإن حضرموت تمتلك – بلا مبالغة – جميع مقومات الدولة: من الموارد المادية، والأسس القانونية، والبنى اللوجستية، والموقع الاستراتيجي، والعمق التاريخي، والانسجام المجتمعي وهي مقومات نادرا ما تجتمع بهذا التكامل في كيان واحد. وحيث إن كل محاولات توحيد اليمن قد أخفقت بكل صورها، فإن التعاطي الصادق مع الواقع يقتضي الاعتراف بحق حضرموت في أن تكون دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، تقرر مصيرها بنفسها، بعيدًا عن الوصاية والتبعية والهيمنة.
وعليه، فإن على صُناع القرار في اليمن، وفي الإقليم، وفي العالم، ألّا يحرموا حضرموت من هذا الاستحقاق المشروع، خاصةً في ظل الدعوات الصريحة لاستقلال بعض الأقاليم عن الجمهورية اليمنية، كما هو الحال في الجنوب. وإذا كان ذلك حقا مشروعا لغيرها، فإن حضرموت ليست أقل شأنا، بل هي أحق وأجدر بهذا الحق، لما تملكه من مقومات وقدرات.
وبناء على ذلك، فإن أي صيغةٍ مستقبلية للنظام السياسي اليمني يجب ألا تخرج عن هذا السياق. فإن أُريد لليمن أن يكون موحدًا، فإن حضرموت لا تطالب إلا بنظام فيدرالي أو كونفدرالي أو حكمٍ ذاتي واسع الصلاحيات، يضمن لها استقلالية القرار، مقرونةً بإقرارٍ صريح بحق تقرير المصير. أما إذا أُخذ بخيار إقامة دولة الجنوب اليمني، فإن حضرموت – في هذه الحالة – لن تكون إلا دولةً مستقلة ذات سيادة كاملة.
إن تناولنا لاستحقاق حضرموت السياسي بهذه الرؤية، في ضوء الأحداث والتطورات الأخيرة، ليس ترفا فكريا، ولا شططًا سياسيًا، بل هو طرحٌ موضوعي، ورؤيةٌ ثاقبة، ومقاربة مؤصلة، جديرة بأن تعيد لليمن – بكل مناطقه – فرص العيش في أمن وسلام، وتؤسس لتعايشٍ سلمي يحفظ مبدأ الأخوة الإسلامية، بعيدًا عن التعالي، والانتقاص، والعدوان على حقوق الآخرين.
ولنا في تاريخنا الإسلامي، وفي عصره الذهبي، وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، تجربةٌ ثرية في الاعتراف بخصوصية كل بلد، وإقرار مبدأ إدارة كل إقليم باستقلاليةٍ من قِبل أهله، ووفق خصوصيته المعتبرة. وكانت تلك رؤيةً حكيمة أتاحت لكل قطر أن يبدع ويقدم أفضل ما لديه، في تنافسٍ شريف انعكس خيره على مجمل الأمة الإسلامية ونهضتها.
فهل نعي دروس التاريخ، ونتعاطى بواقعية مع الحاضر، أم نقفز على الحقائق حتى يكون السقوط مدويًا؟
وهو ما لا نرجوه.
والله وليّ التوفيق.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق