همس التحولات: في استشعار اللحظات الفاصلة بين المنهج والاحتمال
تاربة_اليوم /كتابات واراء
كتب / الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
2 يناير 2026م
انطلاقًا من جملة المؤشرات القائمة في المشهد الراهن، وفي إطار قراءة تحليلية تتوخى التريث والضبط المنهجي، يبرز أمام الباحث المتأمل إحساس علمي متأنٍ بأن ثمة حدثًا جللًا يتشكل في الأفق، وإن لم تتوافر بعد شروط الإفصاح الكامل عنه. وليس هذا الاستشعار ادعاء لامتلاك نبوءة معرفية، ولا محاولة لاستباق التاريخ خارج ضوابط المنهج العلمي، بقدر ما هو حصيلة تفاعل هادئ بين الملاحظة الدقيقة، وتراكم الخبرة البحثية، والإنصات الواعي لما لا تفصح عنه الوقائع صراحة، بل تلمح إليه عبر مساراتها الصامتة.
فالتاريخ، كما تشهد بذلك تجاربه المتراكمة، لا يعلن تحولاته الكبرى دفعة واحدة، ولا يكشف عن لحظاته الفاصلة بصيغة فجائية، بل يهمس بها أولًا عبر شقوق الزمن، ومن خلال تفاصيل تبدو – للوهلة الأولى – هامشية أو عابرة. غير أن هذه التفاصيل ذاتها، حين تخضع لقراءة معمقة، وتوضع في سياقها البنيوي الأشمل، تكشف عن منطق داخلي يوحي بأن ثمة إعادة تشكل تجري في العمق، بعيدًا عن صخب الخطاب اليومي أو ضجيج الحدث العابر.
ومن هنا، فإن الفارق المنهجي بين التنبؤ العلمي والنبوءة الحدسية يصبح جوهريًا في هذا المقام. فالتنبؤ العلمي لا يقوم على الجزم ولا على الادعاء، بل على تتبع الاتجاهات، وتحليل التراكمات، وفهم ديناميات التفاعل بين البنى الظاهرة والعمليات الكامنة. وهو، بهذا المعنى، لا ينتج يقينًا مغلقًا، بل يفتح أفقًا احتماليًا منضبطًا، يسمح بقراءة ما هو آخذ في التشكل دون ادعاء اكتماله.
إن أخطر ما قد يقع فيه الباحث في اللحظات الانتقالية هو الارتهان للمؤشرات المعلنة وحدها، أو انتظار الحدث بعد اكتماله كي يشرع في تحليله. فغالبًا ما تكون الوقائع الصريحة آخر ما يتحرك في سلسلة التحول، بينما تسبقها مؤشرات صامتة تتجلى في تغير إيقاع الخطاب دون مضمونه، أو في إعادة تموضع غير معلنة للفاعلين، أو في صعود أسئلة جديدة تحل محل الإجابات المستقرة، أو حتى في صمت مفاجئ حيث كان الإفراط في القول.
وفي هذا السياق، لا يبدو الغموض الاستراتيجي ضعفًا في الموقف التحليلي، بل يتحول إلى أداة منهجية واعية تفرضها طبيعة الظواهر قيد التشكل. فالإفصاح المتعجل قد يفضي إلى اختزال معقد لواقع لم يستكمل شروط تبلوره بعد، كما أن الجزم المبكر قد يقيد التحليل داخل فرضية واحدة، في حين أن المشهد لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة ومتداخلة. ومن ثم، فإن الإبقاء على مساحة محسوبة من الغموض يعكس وعيًا علميًا يحترم تعقيد الواقع، ويقاوم إغراء اليقين السريع.
وليس الصمت التحليلي، في هذا الإطار، انسحابًا من الفعل العلمي أو تراجعًا عن المسؤولية المعرفية، بل هو موقف مدروس بحد ذاته. فالصمت، حين يكون مشبعًا بالفهم ومسنودًا بالتحليل، يصبح أبلغ من الإفصاح المتعجل، وأكثر دقة من التفسير المتسرع. وهو يعبر عن إدراك عميق بأن بعض اللحظات التاريخية لا تُقرأ بالصوت العالي، بل بالإصغاء الطويل.
وعليه، فإن إبقاء هذا التقدير ضمن أفق التحليل المفتوح لا يُعد ترددًا ولا غموضًا غير مبرر، بل تعبيرًا عن التزام صارم بأخلاقيات البحث العلمي، ووعي بأن الظواهر الكبرى لا تختزل في عناوين جاهزة، ولا تمسك بها لغة التقرير المباشر. فالتاريخ، قبل أن يعلن نفسه، يرسل إشاراته لمن يحسن القراءة، ويمارس فضيلة الانتظار المنهجي.
إن ما يلوح في الأفق، وفق هذه القراءة، ليس حدثًا مسمى بعد، ولا مسارًا مكتمل المعالم، بل إمكانية تاريخية تتشكل ببطء، وتستدعي من الباحث قدرًا عاليًا من التواضع العلمي، والانتباه النقدي، والقدرة على التمييز بين ما يقال وما يضمر. ومن هنا، لا يقدم هذا المقال خلاصات نهائية، ولا يدعي امتلاك مفاتيح الغيب السياسي أو التاريخي، بقدر ما يسعى إلى ترسيم مجال الرؤية، وتنبيه العقل الأكاديمي إلى أن بعض التحولات، قبل أن تصرخ، تكتفي بأن تهمس.
عام ميلاد مجيد.
كل عام والجميع بخير وعافية.






