ما بعد ديسمبر: حضرموت بين نهاية الصراع وبداية المشروع
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
1 يناير 2026
لم تكن خاتمة عام 2025م كسائر الأعوام بالنسبة لحضرموت، ولا سيما في ما يتصل بشؤونها السياسية والأمنية والعسكرية والتنموية؛ إذ جاء ختام شهر ديسمبر من العام المنصرم فارقًا ومفصليًا في تاريخ حضرموت السياسي والأمني والعسكري، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
ولسنا هنا بصدد سرد أو استعراض مجريات ما جرى في حضرموت بدقائقه وتفاصيله؛ فذلك أمر بات معلومًا للكافة، كما أن وسائل الإعلام الحديثة لم تترك مجالًا أو هامشًا للحديث عنه، ونرى أن تناوله لا يكون ذا جدوى إلا في سياقه التاريخي والتوثيقي. إنما الذي يعنينا، حقًّا، هو استشراف مستقبل حضرموت السياسي والأمني والعسكري والإداري والتنموي بعد تلك الأحداث.
نعم، لقد وضعت الحرب أوزارها في حضرموت، وسكن أزيز الطائرات، وخمدت رائحة البارود، وسكتت أفواه المدافع، ونحسب ذلك — أولًا وآخرًا — من فضل الله جل جلاله، الذي لطف بعباده، وأحاط حضرموت بعنايته ورحمته. ولكن يبقى السؤال الجوهري: ماذا بعد هذه المرحلة التي طُويت معها صفحة الصراع والاقتتال، وفرض سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح والحديد والنار؟
إن ما بعد ذلك يفرض علينا ضرورة رسم خارطة طريق واضحة المعالم لحضرموت؛ خارطة سياسية وإدارية وأمنية وعسكرية، يواكبها عمل دبلوماسي فاعل، وجهد شعبي وجماهيري واسع، نسير بها نحو برّ الأمان، ونرسو من خلالها على شاطئ الاستقرار والطمأنينة.
لقد كانت القلوب تخفق، والأيدي ترتجف، خوفًا مما كان ينتظر حضرموت من مصير مجهول، غير أن الحمد لله على ما كان وما سيكون، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
ومن ذلك الخير الكثير الذي انبثق من رحم الشدة أن قضية حضرموت أخذت آفاقًا أوسع، وحضورًا لافتًا، في مختلف وسائل الإعلام المحلية والإقليمية والدولية، وبشتى قوالبها، حتى كاد لا تخلو نشرة أو تحليل إخباري من تناول ما تشهده حضرموت، بل وتصدر هذا الشأن أولويات التغطية الإعلامية.
هذا فضلًا عمّا كان — وما زال — يدور في أروقة ودهاليز المنظمات والهيئات السياسية والدبلوماسية، إقليميًا ودوليًا، مما علمناه ومما لم نعلمه، بشأن حضرموت ومستقبلها على مختلف الصعد.
وعليه، فإن المرحلة القادمة تُلقي على عاتقنا — نحن أبناء حضرموت — مهام جسامًا، ومسؤوليات عظيمة، لا بد من إنجازها وإدارتها بكفاءة واقتدار. ويأتي في مقدمة هذه المهام لملمة الصف الحضرمي، وتوحيده، للوصول إلى رؤية سياسية وإدارية وتنموية شاملة، تليق بحضرموت ومكانتها وتاريخها، يرافقها عمل سياسي وجماهيري رشيد، يُرسّخ القناعة بأن حضرموت لكل أبنائها، وأن شأنها شأنٌ عام يهم الجميع دون استثناء.
إن المواقف العصيبة والأحداث المفصلية هي وحدها التي تكشف معادن الرجال، وتُظهر الحقائق بلا مواربة. ومن خلال متابعتنا لما جرى من أحداث في حضرموت، لم يعد خافيًا على كل ذي بصيرة من الذي نصر حضرموت بصدق، ومن الذي خذلها، وأدخلها في متاهات التبعية، بل وباعها في أسواق النخاسة بأبخس الأثمان. فهؤلاء ليس أقل ما يُقال في حقهم أن يتنحّوا عن التغنّي الزائف بحب حضرموت، وأن يراجعوا صدق انتمائهم لها.
وإننا لنجزم — بعون الله — أن مستقبل حضرموت مشرق وواعد، بإذن الله تعالى، فالأمل أولًا وآخرًا بالله، غير أن الأماني وحدها لا تصنع واقعًا، ولا تبني أوطانًا، ولنا أن نقف متأملين عند قول الشاعر:
فما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا
والله وليّ التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*






