اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الاختلاف المجتمعي وتحولات المواقف: قراءة تحليلية في بنية الاجتماع الإنساني ومنطق الفعل العام

الاختلاف المجتمعي وتحولات المواقف: قراءة تحليلية في بنية الاجتماع الإنساني ومنطق الفعل العام

تاربة_اليوم /كتابات واراء

بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

الثلاثاء، 30 ديسمبر 2025م

يمثل الاختلاف في المواقف والاتجاهات إحدى السمات البنيوية الملازمة للاجتماع الإنساني، فلا يكاد يخلو مجتمع – مهما بلغت درجة تماسكه أو عمق تقاليده – من تباين في الرؤى وتعدد في القراءات إزاء القضايا العامة، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو وطنية. ويغدو هذا الاختلاف أكثر وضوحًا في المراحل التي تشهد تحولات كبرى أو لحظات مفصلية، حيث تتشابك العوامل الموضوعية بالاعتبارات النفسية، وتتداخل المصالح بالهواجس، ويختلط التحليل الرصين بالانطباع السريع.
ولا يُفهم هذا الاختلاف بوصفه خللًا أو انحرافًا عن (الوضع الطبيعي)، بل باعتباره تعبيرًا أصيلًا عن طبيعة الإنسان ذاته. فالتنوع والتفاوت جزء من البنية الخلقية، وقد شاءت الحكمة الإلهية أن يكون الاختلاف سمة من سمات الوجود البشري، لا استثناءً طارئًا عليه. ومن ثم، فإن السعي إلى إجماع كامل في القضايا العامة يظل مطلبًا مثاليًا يصعب تحقيقه في الواقع، بل قد يكون في بعض السياقات مؤشرًا على كبت التنوع أو مصادرة التعدد.
وتشير الخبرات التاريخية والدراسات السوسيولوجية إلى أن أي قضية عامة تفرز – في الغالب – أنماطًا ثلاثة من المواقف داخل المجتمع. يتمثل النمط الأول في تيار التأييد أو المناصرة، وهو تيار يتبنى الموقف الداعم بدرجات متفاوتة من الحماس والانخراط، تتراوح بين التأييد المتشدد المغلق، والدعم المعتدل، والتأييد المشروط المنفتح على الحوار. ويكتسب هذا التيار قوته من قدرته على تحويل القناعة إلى خطاب منظم وممارسة مؤثرة.
أما النمط الثاني، فيتمثل في تيار المعارضة، وهو تيار أصيل يؤدي وظيفة نقدية ضرورية في ضبط الفعل العام وتقويم مساره. وتتدرج المعارضة بدورها بين الرفض الجذري، والنقد العقلاني، والمعارضة الإصلاحية. وتبرز أهمية هذا التيار حين يلتزم بأدوات التحليل وما يعرض من حجج، وتظهر خطورته حين ينزلق إلى الخطاب الانفعالي أو الهدمي.
في حين يتمثل النمط الثالث في تيار الحياد أو الترقب، وهو تيار واسع الانتشار في معظم المجتمعات، وغالبًا ما يُساء فهمه أو التقليل من شأنه. فالحياد لا يعني بالضرورة اللامبالاة، بل قد يعكس وعيًا متحفظًا، أو رغبة في التريث، أو انتظار تبلور المعطيات. وتشير دراسات عديدة إلى أن هذا التيار يمثل في كثير من الأحيان الكتلة الأكبر عددًا، والأكثر قابلية للتأثر بما يطرح من خطاب وممارسة.
إن وجود هذه الأنماط الثلاثة يُعد قاعدة اجتماعية عامة، لا استثناءً عابرًا. وأي محاولة لإلغاء أحدها، أو فرض موقف أحادي، غالبًا ما تفضي إلى اختلال التوازن المجتمعي، وتفتح المجال أمام توترات كامنة قد لا تظهر آثارها فورًا، لكنها تتراكم في عمق البنية الاجتماعية.
ومن الأخطاء المنهجية الشائعة في تفسير التحولات المجتمعية اختزال تغير المواقف في عامل الإكراه أو الضغط فقط. فالمواقف الإنسانية، ولا سيما في القضايا العامة، تتأثر بجملة من العوامل المتداخلة، من بينها تراكم الخبرة، وتغير السياقات السياسية والاجتماعية، وإعادة تقييم المصالح، وتطور الوعي الفردي والجمعي، وطبيعة الخطاب والممارسة السائدة. وعليه، فإن التحول في الموقف لا يُفهم إلا ضمن شبكة معقدة من المؤثرات، ولا يجوز التعامل معه بوصفه دليلًا قاطعًا على القسر أو الانتهازية.
وتظهر تجارب العمل العام أن أكثر المشاريع قدرة على الاستمرار هي تلك التي أدركت طبيعة التنوع المجتمعي، وتعاملت معه بواقعية ومرونة. فالعمل السياسي أو الوطني الرشيد لا يقوم على الإقصاء، ولا يسعى إلى كسب الجميع دفعة واحدة، بل يعمل على توسيع دوائر الفهم، وبناء الثقة التدريجية، واحتواء التباينات، وتقديم نموذج عملي مقنع يسبق الخطاب النظري.
في المقابل، فإن المشاريع التي تعتمد على الاستقطاب الحاد والخطاب التعبوي المغلق قد تحقق مكاسب آنية، لكنها غالبًا ما تزرع بذور الانقسام طويل الأمد، وتضعف قدرة المجتمع على التماسك في مواجهة التحديات الكبرى.
وتتفق معظم المقاربات الفكرية الحديثة على أن الإنسان ينبغي أن يكون مركز الاهتمام ومحور الفعل العام. فحين يُقَدَّم الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة، وتتقدم كرامته واحتياجاته على الحسابات الضيقة، تتشكل حالة من القبول المجتمعي، حتى في ظل استمرار الاختلاف. ومن هنا، فإن خدمة الإنسان، واحترام وعيه، والإنصات له، تشكل المدخل الحقيقي لبناء الشرعية الاجتماعية وترسيخ الاستقرار.
ونخلص إلى القول إن الاختلاف في المواقف والاتجاهات ليس عيبًا في ذاته، بل يصبح كذلك حين يُدار بعقلية الإقصاء أو التخوين. أما حين يُفهم في سياقه الطبيعي، ويدار بأدوات الحوار والعقلانية، فإنه يتحول إلى مصدر ثراء وقوة للمجتمع. فالعبرة ليست في غياب الاختلاف، بل في القدرة على تحويله من عامل انقسام إلى رافعة وعي، ومن مصدر توتر إلى أفق نضج اجتماعي وسياسي.

إغلاق