الهجرة بوصفها شهادة كرامة: قراءة أكاديمية تحليلية في كتاب رحلة العبور إلى الحرية للمؤلف والمؤرخ الشيخ/ محمد بن سالم بن علي جابر
تاربة_اليوم /كتابات واراء
*بقلم: الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي*
*أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية*
الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025م
* المحور: سيرة ذاتية ووثيقة تاريخية لهجرة أسرة حضرمية.
* الزمان: عام 1399هـ / 1979م.
* المكان: من الديار الحضرمية (جنوب اليمن) إلى الديار السعودية.
* المنهجية: سرد قصصي توثيقي تحليلي.
تُعد الكتابات التي تمزج بين السيرة الذاتية والتوثيق التاريخي من أكثر النصوص قدرة على اختراق البنية الصلبة للتاريخ الرسمي، لأنها تُعيد الاعتبار للتجربة الإنسانية بوصفها مصدرًا معرفيًا لا يقل قيمة عن الوثائق والأرشيفات. وفي هذا السياق، يندرج كتاب رحلة العبور إلى الحرية ضمن هذا النمط السردي التوثيقي، حيث لا يكتفي المؤلف بسرد وقائع الهجرة، بل يحول التجربة الشخصية إلى شهادة تاريخية مكثفة على مرحلة سياسية واجتماعية مضطربة في حضرموت وجنوب اليمن عمومًا.
لا يمكن تصنيف هذا العمل بوصفه سيرة ذاتية تقليدية، إذ يتجاوز حدود الذات الفردية ليُجسِّد سيرة جماعية لأسرة حضرمية، بل لجيل كامل وجد نفسه محاصرًا بسياسات قهرية دفعت به إلى خيار الهجرة القسرية. فالذات الساردة هنا ليست غاية في ذاتها، بل وسيطًا معرفيًا ينقل معاناة مجتمع بأكمله، الأمر الذي يمنح النص قيمة تاريخية تتجاوز البعد الأدبي.
ينطلق الكتاب من خلفية تاريخية دقيقة، تتمثل في مرحلة ما بعد 1967م، حين خضعت حضرموت لسلطة الدولة ذات التوجه الماركسي، وما رافق ذلك من سياسات التأميم، ومصادرة الملكيات الخاصة، وتفكيك البنى الاجتماعية التقليدية، والتضييق على الحريات العامة والخاصة. في هذا السياق، تتجلى الهجرة لا بوصفها خيارًا اقتصاديًا أو مغامرة فردية، بل باعتبارها استجابة وجودية لانسداد الأفق السياسي والاجتماعي، وبحثًا عن حدٍّ أدنى من الأمان والكرامة.
يُقدم الكتاب مفهوم الهجرة بوصفه تحولًا مركبًا، لا يقتصر على الانتقال الجغرافي من بلاد حضرموت إلى المملكة العربية السعودية، بل يشمل انتقالًا نفسيًا ووجدانيًا عميقًا. فالعبور هنا هو عبور من الطفولة إلى النضج المبكر، ومن الإحساس الهش بالأمان إلى وعي حاد بالمخاطر، ومن الاعتماد إلى تحمل المسؤولية. ومن ثم، تصبح الرحلة فعل إعادة تشكل للذات، لا مجرد انتقال في المكان.
من أبرز عناصر قوة النص اعتماده على صوت الطفل الذي عاش التجربة، ثم أعاد سردها بوعي الرجل الناضج. هذه الازدواجية تمنح الكتاب عمقًا تحليليًا خاصًا؛ إذ تتجاور براءة الشعور مع نضج الفهم، ويُعاد بناء الحدث الواحد على مستويين: مستوى الإحساس الأولي، ومستوى التأمل اللاحق. وهذا ما يجعل النص أقرب إلى (ذاكرة مفكرة) لا مجرد سرد استرجاعي.
تحضر الأم في الكتاب بوصفها مركز الثقل العاطفي والأخلاقي للرحلة. فهي ليست شخصية مساندة، بل تمثيل رمزي للوطن المحمول، والحصن النفسي المتنقل، والمرجعية القيمية التي تحفظ تماسك الأسرة في لحظات الخوف والضياع. ومن خلال هذه الصورة، يُبرز المؤلف دور المرأة في سياقات الهجرة القسرية بوصفها عنصر ثبات لا غنى عنه.
يقدم الكتاب قراءة مغايرة للصحراء وسكانها، حيث تتحول الصحراء من فضاء للموت إلى معبر للنجاة، ويظهر البدو والمهربون في صورة أخلاقية مغايرة للصور النمطية السائدة. فالأمانة والوفاء وشرف الكلمة تشكل عناصر أساسية في هذا الفضاء الهامشي، بما يعكس منظومة قيم بديلة غالبًا ما يغفلها الخطاب الرسمي.
لا يتعامل المؤلف مع الحرية بوصفها حالة سياسية مجردة، بل بوصفها تجربة معيشة، تُختبر في الخوف، والجوع، والسير ليلًا، والاختباء، وانتظار المجهول. ومن هنا، تصبح الحرية في هذا الكتاب نتيجة لمعاناة طويلة، لا منحة جاهزة، وتتحول إلى قيمة وجودية تُقاس بقدرة الإنسان على الحفاظ على كرامته في أقسى الظروف.
يمثل كتاب رحلة العبور إلى الحرية مادة غنية للباحثين في مجالات متعددة، منها التاريخ الاجتماعي، ودراسات الهجرة، وأدب الشهادة، ودراسات الذاكرة والهوية. كما يمكن اعتباره مصدرًا سرديًا أوليًا يُسهم في إعادة بناء التاريخ الاجتماعي لبلاد حضرموت من زاوية المظلومين المقهورين لا من منظور السلطة.
في المحصلة، لا يقدم هذا الكتاب حكاية هروب، بل يؤسس لنصٍّ معرفي وإنساني رصين، يُعيد تعريف الهجرة بوصفها شهادة كرامة، ويُبرز قدرة الإنسان على تحويل المحنة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى معنى. إنه عمل يستحق أن يُقرأ بوصفه وثيقة، وأن يُحلَّل بوصفه نصًا، وأن يُدرَّس بوصفه تجربة إنسانية عميقة.
إن إدراج هذا الكتاب في النقاشات الأكاديمية، وتحليله ضمن مساقات البحث العلمي، لا يخدم فقط فهم تجربة حضرمية بعينها، بل يثري النقاش الأوسع حول العلاقة بين السلطة والهجرة والهوية والكرامة في المجتمعات العربية المعاصرة، ويمنح الباحثين مادة أولية ثرية لإنتاج معرفة نقدية رصينة، تتأسس على الإنسان بوصفه شاهدًا وصانعًا للتاريخ، لا مجرد موضوع له.
مع خالص تحياتنا وتقديرنا للجميع.






