اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

السياسة على ظهر الجائع

السياسة على ظهر الجائع

بقلم / روان الأميري.

إن تدني مستويات التعليم في مجتمعاتنا لم يكن يومًا أمرًا عابرًا أو نتيجة طبيعية للظروف، بل كان – في كثير من الأحيان – سياسةً مُمنهجة، تصبّ دومًا في مصلحة السلطة. فكلما ازداد الجهل، سَهُل التوجيه، وكلما تراجع الوعي، تضاءلت القدرة على السؤال والمحاسبة، فحين يخرج الشعب إلى ساحات الاعتصام ببطونٍ جائعة وجيوبٍ فارغة، لا يمكن إلا أن ندرك فداحة ما وصلنا إليه؛ إذ لا يتحرك هذا الغضب دفاعًا عن حقٍ مسلوب أو كرامةٍ مهدورة، بل يُستدعى ليخدم شعارات كبرى لا تمسّ جوهر المأساة. في تلك اللحظة، يصبح الفقر أداة، والجوع وسيلة، والإنسان وقودًا لمعارك لا تعنيه بقدر ما تستنزفه

والحقيقة أنني لست مندهشة. فالشعوب التي تُقاد بالخطابات، لا بالمفاهيم، لا بدّ أن تجد دائمًا من يسحبها حيث يشاء. فالخطاب العاطفي، حين يُفصل عن الوعي، يتحول إلى أداة تعبئة لا إلى وسيلة فهم، وإلى حشد لا إلى مشاركة حقيقية في صناعة القرار.
ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن الشعوب العربية تُعدّ من أكثر شعوب العالم حديثًا عن السياسة، لكنها – في الغالب – من أقلها فهمًا لآلياتها، وأسوأها ممارسةً لها. فالسياسة ليست هتافًا، ولا اصطفافًا أعمى، ولا تقديسًا للأشخاص، بل وعيٌ بالمصالح، وفهمٌ للعلاقات، وقدرة على التمييز بين من يخاطب الغرائز ومن يعالج الجذور.

إن أخطر ما تواجهه مجتمعاتنا اليوم ليس الفقر وحده، بل الجمع بين الفقر والجهل، حين يتحول الإنسان من صاحب قضية إلى أداة، ومن مواطن إلى رقم، ومن ضحية إلى شريك – دون وعي – في إعادة إنتاج أزمته.

يحق للشعوب أن تطالب بحقوقها السياسية، وأن تناقش مصيرها، وأن تختلف حول شكل الدولة، لكن ما لا يمكن فهمه هو أن تتحول القضايا الكبرى إلى ستارٍ يُخفى خلفه الفشل، وأن تُرفع الشعارات العالية فوق بطونٍ خاوية، وبيوتٍ بلا كهرباء، وأسرٍ بلا دخل. فكيف يُطلب من إنسانٍ مسحوق أن يهتف لمشروعٍ سياسي، بينما لم يُمنح حقه في الحياة أصلًا؟
إن الانفصال، أو الوحدة، أو أي صيغة سياسية أخرى، ليست عصا سحرية. إذ لا قيمة لأي مشروع وطني إذا لم يُجب عن السؤال الأهم: ماذا عن الإنسان؟ ماذا عن كرامته؟ عن خبزه؟ عن علاجه؟ عن حقه في العيش دون إذلال؟ فالأوطان لا تُبنى بالخطابات، ولا تُدار بالرموز، ولا تُنقذ بالوجوه التي اعتادت النهب ثم عادت متقمصة دور المنقذ.

إن الشعوب التي تُجبر على الاختيار بين الجوع والصمت، ثم تُستدعى فجأة للهتاف، لا تُلام بقدر ما يُلام من صنع هذا العبث، ومن صادر حقها في الاحتجاج حين كان الاحتجاج حياة، وسمح به فقط حين صار أداة.

ما يحدث اليوم ليس حراكًا واعيًا بقدر ما هو إعادة إنتاج للمشهد ذاته. فالقوى التي فشلت في إدارة الواقع، أو تواطأت في إفساده، تعود في كل منعطف لتقدّم نفسها بوصفها الخيار الوحيد، مستفيدة من ذاكرةٍ مُثقلة بالتعب، وعقولٍ أُنهكتها الأزمات حتى باتت تبحث عن أي أمل، ولو كان زائفًا. وفي مثل هذا المناخ، لا تُقاس المشاريع ببرامجها، بل بقدرتها على إثارة العاطفة وحشد الغضب.

اللافت أن كثيرًا من هذه القيادات لا تظهر حين تتراكم الأزمات، ولا حين يُنهب المال العام، ولا حين يُترك المواطن وحيدًا في مواجهة الفقر والمرض، لكنها تحضر بقوة عندما يحين وقت الاستثمار في الألم. حينها تُستدعى اللغة الثورية، وتُستخرج الذاكرة الانتقائية، ويُعاد تدوير الشعارات ذاتها، وكأن المشكلة كانت دائمًا في الشكل السياسي لا في منظومة الفساد التي بقيت دومًا على حالها.

إن تحويل القضايا المصيرية إلى مواسم تعبئة، يُفرغها من معناها الحقيقي، ويحوّلها إلى أدوات ضغط لا إلى مشاريع إنقاذ. فالمطالبة بالانفصال – أو بأي خيار سياسي آخر – دون مساءلة حقيقية للقيادات، ودون برنامج واضح لإدارة الدولة، ودون ضمانات للعدالة والشفافية، ليست سوى قفزة في المجهول، يدفع ثمنها دائمًا المواطن البسيط، لا من يقفون على المنصات.

والمشكلة الأعمق أن هذا النمط من الحراك لا يُنتج تغييرًا، بل يُنتج اعتيادًا جديدًا على الفشل. إذ يتعلم الناس مع الوقت أن يبدّلوا ولاءاتهم بدل أن يغيّروا واقعهم، وأن ينتقلوا من خيبة إلى أخرى، دون أن يُسمح لهم يومًا بسؤال بسيط: من حاسبنا؟ من أنصفنا؟ من أعاد لنا حقنا؟

وبالتالي لا يمكن إعفاء الشعب بالكامل من المسؤولية، ليس بوصفه فاعلًا حرًا يمتلك أدوات القرار، بل باعتباره جزءًا من معادلةٍ أُعيد إنتاجها مرارًا بقبولٍ صامت أو مشاركة غير واعية. فالقوى التي تتغذى على الفوضى لا تنمو في الفراغ، بل تجد في الجهل أرضًا خصبة، وفي الإرهاق الجمعي بيئة مثالية للتمدد والإنتهاك.

إن الجهل هنا لا يُفهم بمعناه البسيط المرتبط بعدم التعليم الأكاديمي، بل بوصفه غيابًا للوعي النقدي، وانعدامًا للقدرة على الربط بين السبب والنتيجة. وحين يُفقد هذا الوعي، يسهل تحويل المواطن من صاحب مصلحة إلى تابع، ومن متضرر إلى مدافع عن الجهة التي أضرّت به، فقط لأنها أتقنت مخاطبة عاطفته، أو أعادت صياغة ألمه في قالب شعاراتي جذاب.

ولعل أخطر أشكال هذا الجهل هو ذلك الذي يتقمص هيئة “الوعي”، حين يعتقد الفرد أنه يفهم السياسة لمجرد كثرة حديثه عنها، أو لمجرد انحيازه لفكرة كبرى، دون أن يسأل عن الأدوات، أو النتائج، أو التجارب السابقة. عندها تتحول القناعات إلى يقين أعمى، ويصبح النقد خيانة، والمساءلة تشكيكًا، والاختلاف خطرًا يجب إسكاته.

وبهذا الشكل، لا تكتفي الجماعات السياسية باستغلال فقر الناس، بل تجد من يدافع عنها طوعًا، ويبرر إخفاقاتها، ويمنحها شرعية لم تكن لتحصل عليها عبر الإنجاز.

إن استمرار هذه الدائرة لا يعني فقط فشل مشروع سياسي بعينه، بل تكريس نمطٍ خطير من العلاقة بين الحاكم والمحكوم، علاقة تقوم على الاستتباع لا الشراكة، وعلى التعبئة لا الوعي، وعلى الخلاص الوهمي لا التغيير الحقيقي.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ منهك، ليس أن يُقمع صوته، بل أن يُستدعى هذا الصوت في الوقت الخطأ، وللغاية الخطأ. حين يصبح الجوع وقودًا للهتاف، ويغدو الفقر لغة السياسة السائدة، تفقد القضايا معناها، ويُفرّغ الغضب من وظيفته الطبيعية، فلا يعود أداة تغيير، بل وسيلة لإطالة عمر الأزمة.

ولعل اللحظة الأكثر صدقًا ليست تلك التي نصرخ فيها في الساحات، بل تلك التي نتوقف فيها لنسأل: لمن نهتف؟ ولماذا الآن؟ وماذا سيتغير حقًا بعد أن يخفت الصوت وتُطوى اللافتات؟ فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تكرر أخطاءها، لكنه يمنح دائمًا فرصة أخيرة لمن يختار أن يرى، وأن يفهم، وأن يضع الإنسان — لا الشعار — في صدارة المعنى.

إغلاق