رجال في الذاكرةالشيخ سالم بن علي بن سالم سلوم باوزير
بقلم / أ. د. خالد سالم باوزير
الاثنين 22 ديسمبر 2025
أكتب اليوم عن شخصية حضرمية كان لها أثر كبير وطيب في نفسي، إنه المرحوم والدي الشيخ سالم بن علي بن سالم سلوم باوزير، من مواليد حورة تقريبًا عام 1920م.
والده هو الشيخ علي بن محمد، ووالدته من آل عبدالصمد آل باوزير. تزوج والده من والدته عام 1890م، وأنجبا ولدين وبنتين، وكان المرحوم الشيخ سالم الابن الثاني بعد البكر سعيد.
عاش الشيخ سالم في حورة مع أسرته، وكان والده كثير الأسفار إلى إندونيسيا لكسب لقمة العيش، شأنه شأن أقرانه من مشايخ آل باوزير الذين اعتادوا الهجرة طلبًا للرزق، ثم العودة إلى الوطن بعد سنوات من العمل وجمع المال والتواصل مع العائلة.
أسهم جده ووالده في تربية الأبناء حتى بلغوا سن الشباب. وبعد ذلك قرر والده اصطحابه للسفر إلى إندونيسيا للعمل هناك وكسب المال الحلال. أقام الشيخ سالم مع أخيه سعيد ووالده في إندونيسيا عدة سنوات، وكان والده متزوجًا هناك أيضًا من ابنة عمه، وأنجب منها عددًا من الأبناء والبنات، وعاش الجميع في انسجام وتعاون في العمل المشترك.
تزوج الشيخ سالم في إندونيسيا، بموافقة والده، من إحدى قريباته، وأنجب منها ابنه الأكبر عبدالصادق سالم. وبعد مرور سنوات، وصلته رسالة من والدته تطلب منه العودة لزيارتها في حضرموت، فاستأذن والده وقرر السفر بحرًا من جاكرتا إلى ميناء المكلا. وصل حضرموت ومكث فيها سنوات قليلة، وخلالها طلبت منه والدته الزواج من بنت خالته، فتم الزواج رغم كونه متزوجًا في إندونيسيا، حيث كان والده وإخوته يقيمون في جاوة الشرقية، في مدينة زراعية تُسمى بوميايو قرب مدينة سورابايا.
مكث في حورة فترة قصيرة بعد زواجه الثاني، وأنجبت له زوجته الثانية بنتًا واحدة. ثم فكر في العودة إلى الهجرة، لكنه غيّر وجهته هذه المرة إلى الهند، بعد أن علم بتوفر فرص العمل والتجارة هناك، وخاصة في حيدر آباد التي كانت ترحب بالحضارم لوجود سلاطين مسلمين، إضافة إلى وجود آلاف الحضارم العاملين في مختلف المهن العسكرية والمدنية والتجارية.
غادر ميناء المكلا متجهًا إلى الهند، وبعد رحلة بحرية شاقة وصل مع عدد من الحضارم. التحق في البداية بالعمل جنديًا في جيش حيدر آباد، واستمر في الخدمة، مع محافظته على التواصل المستمر مع أهله في حورة، خاصة والدته وإخوته، وكذلك مع إخوته من والده في إندونيسيا. وكان يرسل لهم الأموال بانتظام لمساعدتهم على العيش في ظروف حضرموت الصعبة، خصوصًا قبل وبعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لم يكتفِ بالعمل العسكري، بل أنشأ عملًا تجاريًا خاصًا به يمارسه بعد انتهاء الدوام الرسمي. وبحكم إقامته الطويلة في حيدر آباد، تزوج من زوجته الثالثة، وهي من أصول حضرمية من آل العمودي من أهل بِضَه – وادي دوعن، وأنجبت له ولدًا في الهند.
ومع سقوط نظام حيدر آباد، واستقلال الهند، وبعد أن جمع بعض المال، كان يرسله إلى أسرته في حضرموت عبر التاجر بامطرف في المكلا، لوالده وإخوته ووالدته، كما كان يرسل أموالًا إلى إندونيسيا لأخيه الشقيق الأكبر سعيد بن علي. وكان الحضارم آنذاك أسرة واحدة، أموالهم مشتركة، يعمل الجميع ويقدمون المال لكبير العائلة، سواء كان الأب أو الأخ الأكبر.
وبعد ثورة المهاتما غاندي وسقوط نظام السلاطين في حيدر آباد، قرر بعد نحو عامين مغادرة الهند والتوجه إلى إندونيسيا، حيث يقيم إخوته، ولديه أموال جمعها من عمله هناك. سافر مع زوجته الثالثة وابنه بحرًا إلى جاكرتا، وكان أخوه في انتظاره، ثم توجّه إلى مدينة بوميايو.
بدأ العمل التجاري مع أخيه في بيع وشراء الأرز، وامتلك الهناجر والمحلات، وكان يشتري الأرز من المزارعين الإندونيسيين وغيرهم. وأنجبت له زوجته في جاوة ولدين وبنتين، وحقق نجاحًا ماليًا ملحوظًا.
ومع اندلاع الثورة الإندونيسية بقيادة أحمد سوكارنو، واتجاه الحكومة نحو الفكر الاشتراكي، اتُخذت إجراءات التأميم، وتعرض التجار لمضايقات. وفي الوقت نفسه، وصلته رسالة من والدته تطلب منه العودة لزيارتها بعد أن تقدمت في السن وفقدت بصرها. وكان الشيخ سالم شديد التعلق بوالدته ولا يرد لها طلبًا.
قرر العودة إلى حضرموت على أساس زيارة قصيرة ثم العودة إلى إندونيسيا، فترك جزءًا كبيرًا من أمواله عند إخوته، وغادر جاكرتا إلى عدن، ثم إلى حورة عبر المكلا. وبعد ستة أشهر توفيت والدته – رحمها الله – فقام بدفنها.
وبسبب صعوبة تحويل الأموال ومضايقات الحكومة الإندونيسية، وتعذر العودة، فكر في الهجرة مجددًا، لكن هذه المرة إلى المملكة العربية السعودية، بعد أن سمع عن توفر فرص العمل هناك. غادر المكلا بحرًا إلى ميناء جدة الإسلامي، والتحق بأعمال مختلفة، وكان يرسل كل ما يحصل عليه من مال إلى أسرته في حورة لتلبية متطلبات الحياة.
تحمل وحده مصاريف الأسرة، بينما واجه إخوته في إندونيسيا صعوبات في إرسال الدعم. وبعد أن شبّ أولاده، التحق به ابنه الثاني علي في جدة، وساعده في فتح متجر لبيع المواد الغذائية، خاصة بعد انتعاش الاقتصاد السعودي إثر الطفرة النفطية.
بعد نحو عشرين عامًا في السعودية، عاد إلى حضرموت لزيارة قصيرة، وكانت زوجته تزور السعودية للحج في فترات متقطعة وفق أنظمة السفر آنذاك في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
كان الشيخ سالم مثالًا للجد والاجتهاد والكفاح، وأتقن خلال أسفاره عدة لغات: الإندونيسية، والهندية (الأردو)، إضافة إلى العربية. وبعد عودته مرة أخرى إلى السعودية، أصيب بالمرض، ولم تمهله الأيام طويلًا، فتوفي في يناير 1981م، تاركًا أثرًا طيبًا وأسرة كبيرة.
رحم الله الوالد الشيخ سالم، وأسكنه فسيح جناته. كان نموذجًا للحضرمي المكافح الذي قضى معظم عمره في المهاجر طلبًا للرزق لإسعاد أسرته، وترك قيمًا وأخلاقًا وتجربة حياة لمن جاء بعده.
وهكذا هم الحضارم، الهجرة في دمهم نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ومع ذلك ظلوا متمسكين بدينهم وأخلاقهم وأمانتهم في كل بلد حلّوا فيه.
هذا، وإلى لقاء في موضوع آخر.






