الوطنية بين الواجب والتملك: قراءة نقدية في التفاوت الاقتصادي وتآكل الشرعية السياسية
تاربة_اليوم /كتابات واراء
بقلم / الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
السبت، 20 ديسمبر 2025م
تمثل المقولة الشائعة: (الوطنية للفقراء، والوطن للأغنياء) اختزالًا بالغ الدلالة لاختلال بنيوي عميق، يتجاوز حدود البلاغة الشعبية ليضع اليد على مفترق حاسم في علاقة الدولة بمواطنيها. فهي لا تُعبر عن انطباع عابر، بل تكشف عن فجوة هيكلية بين مَن يُطالَبون بأداء واجبات الانتماء، ومَن يحصدون عوائد الدولة ومكاسبها المادية والرمزية. وعندما تتحول الوطنية إلى خطاب تعبوي موجه أساسًا للفئات المهمشة، في مقابل تمركز الامتيازات الاقتصادية والسياسية في يد النخب، تتصدع أسس العقد الاجتماعي، ويبرز انفصال خطير بين تكاليف المواطنة وعوائدها الفعلية.
وليست هذه الظاهرة طارئة في تاريخ الدول، بل تتكرر كلما اختلت آليات توزيع الثروة، وضعفت منظومات الرقابة والمساءلة، وتشابك رأس المال مع السلطة السياسية في بنية تُفرغ مفهوم المواطنة من مضمونه الحقوقي، وتعيد إنتاجه كواجب أخلاقي أحادي الاتجاه. في مثل هذه السياقات، تصبح الوطنية أداة للضبط الاجتماعي، لا تعبيرًا عن شراكة متكافئة بين الدولة والمجتمع.
ويقتضي تفكيك هذه الإشكالية التمييز المفاهيمي بين (الوطن) بوصفه مجالًا للموارد والفرص والامتيازات، و(الوطنية) بوصفها رابطة رمزية وواجبًا أخلاقيًا يُلقى عبؤه – في الغالب – على من يملكون أقل قدر من النفوذ الاقتصادي والسياسي. فالوطن، في المعنى السياسي الحديث، ليس مجرد رقعة جغرافية، بل هو منظومة مؤسساتية تنتج الثروة، وتعيد توزيعها، وتحتكر العنف المشروع، وتحدد مسارات الوصول إلى الفرص. وعندما تُحتكر هذه المنظومة من قبل فئة محدودة، يتحول الوطن إلى ملكية نفعية تُدار بمنطق الريع والاستثمار الخاص، فيما يُختزل دور الفقراء في حماية هذا الوطن والدفاع عنه دون أن يكونوا شركاء حقيقيين في إدارته أو الاستفادة من خيراته.
أما الوطنية، في ظل هذا الاختلال البنيوي، فتغدو طاقة رمزية وأداة تعبئة سياسية، تُستدعى لضمان الاستقرار الاجتماعي أكثر من كونها انعكاسًا لعدالة بنيوية. ويتجلى ذلك في الخطاب الإعلامي، وفي الممارسات السياسية، وفي توزيع الأعباء العامة؛ حيث يُطالَب الفقراء بالصبر والانضباط والتضحية وتحمل الأزمات باسم الانتماء، بينما تُخفَّف الأعباء المادية والسياسية عن النخب بحكم امتلاكها أدوات النفوذ والتأثير. وهنا يتشكل ما تصفه الأدبيات السياسية بانحراف العقد الاجتماعي، إذ تتحول المواطنة إلى واجب بلا مقابل حقوقي مكافئ.
ويُظهر التحليل الاقتصادي أن ارتفاع مؤشرات التفاوت – ولا سيما مؤشر جيني – يوفر بيئة مواتية لترسيخ هذا الانفصال. فحين تتكدس الثروة في يد أقلية ضيقة، تصبح هذه الأقلية قادرة على التأثير المباشر في صياغة السياسات العامة، بما يخدم مصالحها الخاصة، وينعكس في سياسات ضريبية غير عادلة، وإجراءات تقشفية تتحمل أعباءها الطبقات الدنيا، ومنح امتيازات استثمارية وتجارية حصرية للنخب. ومع مرور الوقت، تتسع الفجوة بين من يتحملون كلفة الدولة ومن يستفيدون من منافعها، فتبدو الوطنية كالتزام ثقيل بلا عائد، ويبدو الوطن كمصدر ريع لا يصل الفقراء منه إلا الحد الأدنى.
وتتعمق المفارقة في المجال السياسي، حيث تتركز مراكز القرار في يد فئات قادرة على الوصول إلى السلطة والتأثير فيها، بينما تُقصى الفئات الأضعف عن دوائر الفعل السياسي. ويؤدي هذا الاحتكار إلى تآكل الشرعية السياسية، إذ يشعر المواطن بأن المؤسسات لا تمثله، ولا تعكس مصالحه، ولا تستجيب لأولوياته. ويتجسد ذلك في تراجع الثقة العامة، وانخفاض مستويات المشاركة السياسية، وتصاعد مشاعر اللامبالاة والانسحاب من المجال العام. فحين يدرك المواطن أن صوته لا يُحدث فرقًا، وأن آليات المحاسبة معطلة، تتآكل لديه دوافع الانخراط في الشأن العام.
ويزيد هذا الوضع من هشاشة الدولة، إذ يغدو الاستقرار معتمدًا على خطاب تعبوي أكثر من اعتماده على رضا اجتماعي حقيقي. وتتسع الهوة بين (وطنٍ خطابي) يُسوَّق في الإعلام والبيانات الرسمية، و(وطنٍ واقعي) تُوزَّع فيه الحقوق والفرص بشكل غير متكافئ. وعندما يبلغ هذا التصدع حدًّا متقدمًا، تظهر أشكال احتجاجية وشعبوية تستند إلى سردية استحواذ النخب على الوطن، وتطالب بإعادة توزيع السلطة والثروة والفرص. وهذه التعبيرات ليست انفعالات عابرة، بل مؤشرات بنيوية على اهتزاز أسس الشرعية واستعداد المجتمع للبحث عن صيغ بديلة أكثر عدالة وتمثيلًا.
ومن الزاوية المؤسسية، يسهم ضعف أجهزة الرقابة والمساءلة في ترسيخ هذا الخلل، إذ تُدار الدولة كفضاء شبه مغلق، وتترسخ ثقافة الإفلات من العقاب. ويتحول القانون – المفترض أن يكون أداة لتحقيق المساواة – إلى أداة انتقائية تُطبَّق بصرامة على الأضعف، وتلين أمام الأقوى. وعند هذه النقطة، لا يقتصر الشعور بالغبن على التفاوت الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل العدالة والكرامة والحقوق السياسية.
إن استعادة التوازن بين الوطن والوطنية لا يمكن أن تتحقق دون إصلاحات بنيوية شاملة، تبدأ بإعادة تعريف المواطنة بوصفها علاقة تبادلية متكافئة بين الحقوق والواجبات. ويقتضي ذلك سياسات فعالة لإعادة توزيع الثروة، ونظمًا ضريبية تصاعدية عادلة، واستثمارًا جادًا في التعليم والصحة والبنية التحتية بما يضمن تكافؤ الفرص. كما يتطلب الأمر بناء منظومة رقابية وقضائية مستقلة قادرة على مساءلة النخب، وضبط تضارب المصالح، واستعادة ثقة المجتمع في حياد الدولة.
وتستدعي المعالجة كذلك توسيع فضاء المشاركة السياسية، بما يمنح المواطن – بغض النظر عن موقعه الطبقي – إحساسًا حقيقيًا بالقدرة على التأثير في القرار العام. ويشمل ذلك إصلاح القوانين الانتخابية، وتعزيز اللامركزية، وتمكين المجتمعات المحلية، وتوسيع دور المجتمع المدني. فالوطن لا يمكن أن يكون حكرًا على طبقة، كما أن الوطنية لا يجوز اختزالها في خطاب أخلاقي مجرد.
وتأسيسًا على ما سبق، يمكن القول إن مقولة (الوطنية للفقراء، والوطن للأغنياء) ليست مجرد نقد اجتماعي، بل تشخيص علمي دقيق لمسار ينذر بتآكل الشرعية السياسية إن لم تُعالَج جذوره البنيوية. فالأوطان لا تُبنى بالخطاب، بل بالعدالة؛ ولا تستقر بالقوة، بل بالثقة؛ ولا تزدهر بالريع، بل بالمساواة. وحين يشعر كل مواطن بأن الوطن ليس عبئًا عليه ولا ملكًا لغيره، بل عقدًا اجتماعيًا يقوم على توازن الحقوق والواجبات، عندها فقط تستعيد الوطنية معناها الحقيقي، ويتحول الوطن إلى فضاء مشترك يتساوى فيه الجميع.
انتهى






