اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

جيوسياسية حضرموت

جيوسياسية حضرموت

مقال لـ/أشرف احمد
20 ديسمبر 2025

​تتشابك التفاعلات الراهنة في حضرموت والمهرة وشبوة ضمن مشهد سياسي بالغ التعقيد، يتطلب قراءة موضوعية تتجاوز الانحيازات الجغرافية لفهم مآلات الصراع بين القوى المحلية والإقليمية. فمن منظور المجلس الانتقالي الجنوبي، يبدو الإصرار على استعادة حدود عام 1990 مدفوعاً بالرغبة في السيطرة على الثروات الهائلة والمساحات الشاسعة لهذه المحافظات، لتعويض الثقل السكاني الأكبر في مثلث (عدن، لحج، أبين)؛ إذ يدرك الجميع أن مشروع الجنوب بدون حضرموت سيفقد قابليته للحياة الاقتصادية. وفي المقابل، يبرز المخطط الاستراتيجي السعودي الذي يرى في هذه المناطق عمقاً حيوياً وحلماً تاريخياً للوصول إلى “المياه المفتوحة” عبر أنبوب نفط يمتد لبحر العرب، مما يحرر المملكة من تهديدات إيران في مضيق هرمز وتهديدات الحوثيين في باب المندب. والسعودية، التي استضافت سلاطين هذه المناطق منذ سقوط حكمهم عام 1967، لن تقبل بتكرار خطأ التخلي عن حلفائها، وستدعم حق الحضارم في تقرير مصيرهم—سواء كدولة مستقلة، أو إقليم بامتيازات خاصة، أو حتى الانضمام للمملكة—مستندةً إلى حقيقة تاريخية وهي أن هذه المناطق كانت “محميات بريطانية” مستقلة عن عدن، وأن الجبهة القومية هي من فرضت عليها “الهوية اليمنية” بالقوة والترهيب.

​وعلى الصعيد القانوني والسيادي، يواجه “الانتقالي” مأزقاً حرجاً؛ فبإسقاطه لمسمى “اليمن”، هو يسقط شرعية استعادة حدود 1990 ويفتح الباب قانونياً للعودة لما قبل 1967 (سلطنات مستقلة)، مما يمنح حضرموت الحق الكامل في رفض الانضواء تحت حكم عدن، خاصة مع استحضار “الثأر التاريخي” والمجازر التي ارتكبتها الجبهة القومية في الذاكرة الحضرمية، حيث يفضل الكثير من الحضارم خيار صنعاء “البعيدة” أو الاستقلال التام على العودة لحكم “المركز الجنوبي”. وفي هذا السياق، تتربص جماعة الحوثي بالموقف، مستغلةً تمسكها الشكلي بالوحدة والسيادة اليمنية (بمفهوم “اليمن الطبيعي” الذي يشمل جغرافيا واسعة) لشرعنة أي اجتياح مستقبلي للجنوب تحت غطاء القانون الدولي، مستفيدة من أي حالة تمزق ناتجة عن “تقرير المصير” غير المدروس. إن أي صدام بين الانتقالي والسعودية لن يؤدي إلا إلى عزل الأول وتصنيفه كمليشيا متمردة، لأن الإمارات—رغم دعمها—لن تضحي بعلاقتها الاستراتيجية مع المملكة التي تمتلك حدوداً واجتماعاً جغرافياً لا يمكن تجاوزه. لذا، فإن المخرج السياسي العقلاني يستوجب تجميد صراعات الهوية مؤقتاً، وتوحيد الجهود لإسقاط سلطة الحوثي من داخل صنعاء، ثم الذهاب نحو حوار وطني بضمانات دولية يقرر فيه أبناء حضرموت والمهرة خياراتهم بحرية، بعيداً عن لغة السلاح وفرض الإرادات القسرية، وصولاً إلى صيغ اتحادية تضمن عدم تهميش أي طرف.

إغلاق