اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

بين الوحدة والانفصال: قراءة خارج الهتاف

بين الوحدة والانفصال: قراءة خارج الهتاف

بقلم / روان الأميري

خلال دراستي في الكلية، كان لدينا مقرر «النظم السياسية العربية»، تناولنا فيه مختلف الأنظمة العربية والتحولات السياسية التي شهدتها عبر الزمن. كانت من أمتع المواد وأكثرها قربًا إلى نفسي. وما يجعلها عصيّة على النسيان ليس محتواها وحده، بل ذكرى ما زالت تؤلمني حتى وأنا أكتب الآن. ففي الامتحان النهائي، وقعتُ أنا وكثيرًا من زملائي في خطأ سببه سوء فهم صيغة السؤال؛ إذ طُلب الإجابة عن سؤالين، يتفرع كلٌّ منهما إلى (a) و(b)، لكنني لم أنتبه للتفريع، فأجبت عن سؤالٍ واحدٍ ظنًا بأنه السؤالان، وخسرت بذلك خمسة عشر درجة. وما قهرني لم يكن فقدان الدرجات، بل لأنني كنت أعرف إجابة جميع الأسئلة، وأنني ذاكرت بشغف ونهمٍ صادقين. ربما كانت الحماسة ذاتها هي ما جعلني أتجاوز التفاصيل الدقيقة، فأضعت سؤالًا… وبقي الشعور.
لم أستطع يومها العودة إلى البيت. كنت حزينةً بصدق، غاضبة، ومثقَلة بقهرٍ لم أعرفه مسبقًا. لكن كان هناك صديقٌ حقيقي حينها، حاول بكل الطرق أن يحتوي غضبي، ويخفف عني وطأة الخيبة، ويجعلني أنسى—ولو قليلًا—ما حدث.

لكن ما الذي جعلكِ الآن، يا روان، تستحضرين هذه الحادثة من جديد؟
في الحقيقة، لم أفعل أنا… بل عقلي اللعين.
لكنه لم يستدعِها عبثًا، ففي ذات الامتحان، كان هناك سؤال نناقش فيه السيناريوهات المحتملة التي قد تعيشها اليمن في مستقبلها السياسي. ولن أخوض في تفاصيل السيناريو الذي تنبأت بحدوثه، غير أن أحد تلك الاحتمالات كان سيناريو الانفصال، المرتبط بما يُعرف بالقضية الجنوبية.
هذا المشهد، وهذا السؤال، عادا إليّ متزامنين مع الأحداث الراهنة. ومع أنني—بقصدٍ واعٍ—أتجنب الخوض في هذه القضية أمام الآخرين، فليس ذلك نابعًا من إنكارها أو عدم الإيمان بها، بل من فقداني الثقة في الوجوه التي تتصدرها وتدّعي تمثيلها.
فأنا أدرك، وربما بمرارة، أن العقل العربي—مهما تغنّى بنبل قضاياه—لا يزال يقع في الأخطاء ذاتها، ويعيد إنتاج خيبته بأيديه، مرة بعد أخرى.
والحقيقة أنني لستُ «مع» ولا «ضد» فكرة الانفصال؛ فالأمر، في نظري، أعمق من أن يُختزل في كلمتين، فالوصول إلى أي موقف حاسم يتطلّب دراسات واقعية، معمّقة، قائمة على قراءة دقيقة للأرض والناس والتاريخ، لا على الشعارات والهتافات العاطفية، إذ علينا أن نبحث عن مواضع الخلل الحقيقي، عن الجذور الممتدة للمشكلات التي تضرب في عمق معظم المحافظات، والتي نُدرك—أنا وأنت—أنها لا تسكن الشمال وحده ولا الجنوب وحده.
فالمسألة ليست في تقسيم الخريطة، حتى وإن بدا ذلك للبعض حلًّا مغريًا أو نهائيًا، ففي التاريخ عِبرة كافية، وفي الحاضر شاهد حيّ.
أتذكر أنه خلال مناقشة مشروع تخرّجي، والذي كان يتناول أطراف النزاع في اليمن، وجّه إليّ الدكتور سؤالًا مباشرًا: «برأيك، لو انتهى الصراع بين هذه الأطراف، هل سيجد اليمن السلام؟» وكان جوابي حينها: لا. وسأكرره الآن: لا.
لأن ما يجري في الحاضر—شمالًا وجنوبًا—ليس إلا صدى لأحداث قديمة، وإن اختلفت الأساليب وتبدّلت الوجوه، فالأنظمة التي تعاقبت على حكم اليمن، قديمًا وحديثًا، تتشابه أكثر مما نود الاعتراف به. فالإنسان لا يورّث صفاته فقط، بل يورّث كذلك أزماته، وأنماط تفكيره، وقيود عصره. وربما تكمن المعضلة الأكبر، لا في السياسة وحدها، بل في الوعي الجمعي للإنسان اليمني ذاته؛ ذلك الوعي الذي يقاوم التغيير بكافة أنواعه، ويخشى المجهول، حتى إنه في لحظة بحثه عن الخلاص، لا يجد سوى الماضي ليكرره، ظنًّا منه أنه بذلك سينجو.
لستُ مع أيِّ طرفٍ في هذا الصراع، ولم أكن يومًا كذلك. فأنا مع الوطن، وأعني به هذا الجسد الممتد من شماله إلى جنوبه، لا بحدوده المرسومة على الخرائط، بل بروحه، بذاكرته، وبناسه.كما أنني في المقابل، ضد كل من يتلاعب به، ويتخذ من جراحه سلّمًا لمطامعه، ومن غضب أبنائه وقودًا لتحقيق مآرب لا تمتُّ إليهم بصلة. لكن… ليت قومي يعقلون.
كان بإمكاني أن أتحدث بلغة السياسة، وأن أسوق الحجج الاقتصادية والاجتماعية، وأن أغوص في التفاصيل التي يصنعها المنظّرون خلف مكاتبهم، لكنني لم أفعل، ولن أفعل. ففي واقعٍ تُشترى فيه الأصوات قبل أن تُنطق، وتُكتب فيه القرارات قبل أن تُناقَش، يصبح الحديث الجاد نوعًا من السذاجة. فكل شيء هنا يبدو كما لو أنه يحدث، لكنه في الحقيقة يُدار من مكانٍ آخر، بيدٍ لا نراها، وبموافقةٍ لا نُستشار فيها، فالذين يتصدّرون المشهد لا يملكون من أمرهم إلا ما يُسمَح لهم به، ولا يتحرّكون إلا ضمن هامشٍ مرسومٍ لهم سلفًا. وحتى ذلك القرار المصيري الذي ينتظره الناس، بين انفصالٍ أو بقاء، بين صورةٍ جديدة أو قديمة للوطن… ليس قرارهم كما يزعمون أو يظنون، لأن من يحكموهم لم ولن يكونوا رجال دولة، فما قيمة القرارات في وطنٍ لا يملك سيادته الكاملة؟ وما معنى الاختيار في أرضٍ لم تستعد بعد حقها في أن تقول “نعم” أو “لا” دون أن تسترق النظر إلى الخارج؟ إننا لا نعيش أزمة حدود، بقدر ما نعيش أزمة إرادة؛ إرادةٍ مُعلّقة، ومؤجَّلة، ومُقايَضة.
لهذا، يا سادة، سننتظر جميعًا ما سيُقرَّر لنا، لا ما سنقرّره نحن. سننتظر لنُمنح شكلًا جديدًا للحكاية ذاتها: هل سيسمّونه انفصالًا يزهر؟ أم وحدةً مُعاد تدويرها؟ وفي كل الأحوال… سنبقى نحاول إقناع أنفسنا أن الطين الذي نقف فيه مختلف، بينما هو الطين ذاته، على امتداد الحكاية.

وربما لهذا عادت تلك الحادثة اليوم إلى ذاكرتي؛ فالخطأ الذي ارتكبته حينها لم يكن في جهلي بالإجابات، بل في تجاهلي لصياغة السؤال، وفي حماسةٍ جعلتني أتجاوز التفاصيل، فخسرت ما كنت أمتلكه فعلًا. أخشى الآن، ونحن نقف أمام امتحانٍ أكبر بكثير، أن تُعميَنا الحماسة ذاتها… أن نترك للهتاف أن يسبق الوعي، وللغضب أن يسبق السؤال، فنجد أنفسنا — مرةً أخرى — قد أجبنا عن السؤال الخطأ، قبل أن نتوقف لحظةً لنسأل: إلى أين سنُؤخذ بعد الإجابة؟

إغلاق