اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الميزانية التشغيلية لحضرموت… لغز الأرقام المفقودة

الميزانية التشغيلية لحضرموت… لغز الأرقام المفقودة

( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : انس علي باحنان
9 اكتوبر 2025

تتوزع أزمات حضرموت بين أزماتٍ سياسية وأمنية واجتماعية وفكرية وثقافية واقتصادية. ولأنّ الاقتصاد هو عصب الحياة ومفتاح الحل لكل تلك الأزمات المتشابكة، فإنّ حديثنا في هذا المقال سيتناول جانباً جوهرياً من الجوانب الاقتصادية الحضرمية، وهو تسيير الشؤون المالية والاقتصادية للمحافظة، والمتمثّل في الميزانية التشغيلية الخاصة بإدارة الشؤون الخدمية والتنموية والإدارية.

تشير بعض المصادر إلى أنّ حضرموت كانت تعتمد في ميزانيتها على مصدرين أساسيين: حصة المحافظة من مبيعات النفط الخام، وفوارق الديزل المدعوم. وقد قيل في إحدى الفترات إنّ عائدات النفط التي كانت من نصيب حضرموت تجاوزت ستمائة مليون دولار أمريكي، إضافة إلى مئات المليارات من الريالات من فوارق الديزل. بالطبع أرقامٌ مهولةٌ بكل المقاييس، لكنها للأسف ذهبت إلى جهاتٍ مجهولة، فلم تستفد منها المحافظة في أبسط مقوّمات الحياة، وأدناها خدمة الكهرباء التي لا تزال غائبة ومتعثرة.

واليوم، يُقال إنّ تلك المبالغ التي كانت مخصّصة من نصيب المحافظة من النفط الخام وفوارق الديزل لم تعد موجودة في الصندوق أو الميزانية التشغيلية للمحافظة لأسبابٍ معروفةٍ للجميع. وهنا يبرز السؤال:
هل غياب توريد هذه العائدات إلى خزينة الدولة بالمحافظة يصبّ في مصلحة المواطن الحضرمي أم لا؟

الواقع أنّ الأمر لا يختلف كثيراً؛ فطالما أنّ تلك الموارد لم تُسخّر لتحسين حياة المواطن أو تطوير الخدمات العامة، فإنّ وجودها أو غيابها سواء. فما نُفِّذ لمصلحة المواطن كان قليلاً من الفتات، أما الحصص الكبرى فكانت تُصرَف في قنواتٍ مجهولةٍ ومشبوهة. ولو كانت هناك محاسبةٌ ورقابةٌ وشفافيةٌ حقيقية في تتبّع الوارد والمنصرف، لاكتُشف الخلل والفساد منذ الوهلة الأولى. غير أنّ غياب المساءلة والنزاهة هو ما أوصل حضرموت إلى هذا المنحدر الخطير من الفقر والعوز، حتى أصبح المواطن على شفا كارثة إنسانية ومجاعةٍ محققة، لولا عناية الله.

وعلى الرغم من بعض الإصلاحات الاقتصادية المحدودة التي أدّت إلى تحسّنٍ  في سعر الريال اليمني مقابل العملات الأجنبية، إلا أنّ المواطن الحضرمي لم يشعر بأي انعكاسٍ إيجابيٍّ على حياته المعيشية والخدمية. فلا تعليمٌ مستقرّ، ولا كهرباءُ منتظمة، ولا رواتبُ تُصرَف في موعدها، ولا حربٌ حقيقيةٌ على الفساد وتجفيف منابعه. بل إنّ الأوضاع تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، وقد ألقت الأزمة الاقتصادية بظلالها الثقيلة على المشهد الأمني والسياسي والاجتماعي والفكري، إذ انشغل الجميع بصراعات السيطرة على مقدّرات حضرموت الاقتصادية، حتى تعقّد المشهد أكثر، وغابت الرؤية الوطنية الجامعة.

لذلك، فإنّ العقلاء والنخب الحضرمية، ومعهم كل الغيورين على استقرار حضرموت واليمن في الداخل والخارج، مدعوّون اليوم إلى وضع حدٍّ لهذا الفساد والفشل الاقتصادي قبل أن يستفحل الخطر. ولن يتحقق ذلك إلا عبر ضبط موارد المحافظة من نصيب النفط، وفوارق الديزل، وعائدات الضرائب، والمنافذ البرية والبحرية، وإدارتها بأيدٍ نزيهةٍ وكفوءة، بعيدةٍ عن الولاءات الحزبية والمصالح الضيّقة.

لقد آن الأوان لتشكيل فريقٍ اقتصاديٍّ حضرميٍّ مستقلّ، من أهل النزاهة والخبرة، يعمل بروحٍ وطنيةٍ خالصةٍ من أجل حماية مقدّرات حضرموت وصون حقوق أبنائها. فهذه الثروات ليست ملكاً لفئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، بل هي حقٌّ مشروع لكلّ مواطنٍ حضرمي، يجب أن تُستثمر في نهضته وكرامته ومستقبل أبنائه.

إنّ حضرموت اليوم على مفترق طرق: فإمّا أن تُستعاد مواردها إلى حضن الشفافية والعدل، أو تُترك فريسةً للفساد الذي التهم خيراتها وأفقر أهلها.
ولذلك نقولها بصوتٍ واحدٍ:
كفى عبثاً بمقدّرات حضرموت، وحان الوقت لعودة الأمور إلى نصابها الصحيح.

*`المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع`*

إغلاق