النخبة بين الزيف والحقيقة: قراءة في تحولات الوعي ومأزق السلطة
تاربة_اليوم /كتابات واراء
بقلم الدكتور/ عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
5 اكتوبر 2025
في المجتمعات التي تشهد اضطرابًا في بنيتها السياسية والاجتماعية، يختلط مفهوم النخبة بين دلالته الفكرية الأصيلة وممارساته الواقعية المشوهة. ويغدو المصطلح في الخطاب العام محملًا بمعانٍ مناقضة لجوهره؛ إذ يُطلق على فئاتٍ من الأفراد الذين لم يصنعوا فكرًا ولم يقدموا مشروعًا، بل ارتقوا في مدارج السلطة عبر المصادفة أو المحسوبية أو الولاء، حتى صاروا في الوعي الجمعي عنوانًا للتسلق لا للتميز.
إنَّ من يُطلَق عليهم اليوم لقب النخب ليسوا في كثير من الأحيان سوى أناسٍ عاديين حالفهم الحظ أو خدمتهم الظروف، فأتاحت لهم السلطة فرص الصعود في سُلَّم الوظيفة العامة، حتى غدت المناصب في أيديهم وسيلة للتسلق الاجتماعي لا أداة للبناء الوطني. ثم ما لبثوا أن حولوا الوظيفة العامة إلى إرثٍ عائلي يتوارثه الأبناء والأحفاد، فغابت الكفاءة، وانهارت معايير الجدارة، وتحولت النخبة من نخبة فكر وإبداع إلى نخبة نفوذ ومصالح.
يُعد مفهوم النخبة من أكثر المفاهيم تداولًا في العلوم الاجتماعية والسياسية. وقد تناوله كبار المفكرين مثل غايتانو موسكا وفيلفريدو باريتو ورايت سي ميلز، الذين رأوا أن وجود نخبة حاكمة أمر حتمي في كل مجتمع، لكن جوهر القضية ليس في وجودها بل في طبيعتها ووظيفتها ودورها التاريخي. فالنخبة في معناها الأصلي هي تلك الفئة التي تمتلك من الوعي والكفاءة والرؤية ما يؤهلها لقيادة التحولات الفكرية والاجتماعية والسياسية. هي نخبة الفكر لا نخبة الثراء، نخبة الوعي لا نخبة النفوذ. أما في الواقع العربي المعاصر، فقد حدث انقلاب في المفاهيم، إذ أُفرغت النخبة من مضمونها الحضاري، وتحولت إلى طبقة من المنتفعين الذين يحتكرون القرار والفرص والرمزية دون أن يقدموا للمجتمع فكرًا نيرًا أو مشروعًا إصلاحيًا.
إن ظاهرة تسلق الوظيفة العامة تمثل أحد أبرز تجليات اختلال معايير الجدارة في المجتمعات النامية. فبدل أن تكون المناصب العامة مجالًا لخدمة المجتمع وتحقيق المصلحة العامة، تحولت إلى وسيلة للتمكين الشخصي والعائلي، وأداة لإعادة إنتاج الامتيازات والسلطة. وهكذا نشأت فئة من نخب المصادفة الذين صعدوا لا بفضل الكفاءة أو الإبداع، بل بفضل الولاءات السياسية أو القبلية أو المناطقية أو الحزبية، فأفسدوا المعايير وضيعوا روح العدالة والمساواة. ومع مرور الوقت، تحول المنصب العام إلى إرثٍ يتوارثه الأبناء والأحفاد في مشهد يذكر بنظام الإقطاع السياسي لا بمؤسسات الدولة الحديثة.
إن أخطر ما تفرزه النخب الزائفة ليس فقط احتكارها للسلطة أو الثروة، بل قدرتها على تزييف الوعي الجمعي. فهي تروج خطابًا زائفًا يجعل من الفشل نجاحًا، ومن العجز حكمة، ومن الولاء معيارًا للكفاءة. وبهذا تُعيد تشكيل الوعي الشعبي بما يخدم استمرارها في موقع النفوذ، وتُقصي كل محاولة نقدية أو فكرية تُهدد مصالحها. النخبة الزائفة لا تخلق فكرًا، بل تخلق ضجيجًا إعلاميًا، تُسخر فيه أدوات الاتصال لتكريس وجودها، في حين تتراجع النخبة الفكرية الحقيقية إلى الظل، تُقصى وتُهمش لأنها تملك ما تفتقده تلك النخبة: الوعي والضمير والاستقلالية.
تُعد إعادة تعريف مفهوم النخبة ضرورة فكرية ومجتمعية ملحة في ضوء التحولات الراهنة. فالنخبة الحقيقية ليست تلك التي تمتلك سلطة القرار، بل تلك التي تمتلك سلطة الفكر والرؤية. ليست من تتحدث كثيرًا في المنابر والفضائيات، بل من تبني مشروعًا معرفيًا أو وطنيًا يسهم في نهضة المجتمع. النخبة الحقيقية تُقاس بما تقدمه من أثر معرفي وأخلاقي وثقافي، لا بما تملكه من نفوذ أو شهرة، وهي التي تنحاز إلى الناس لا إلى الحاكم، إلى الحقيقة لا إلى المصلحة، وتؤمن بأن دورها التاريخي هو صناعة الوعي لا صناعة الأتباع.
لقد آن الأوان لأن يُعاد الاعتبار لمفهوم النخبة بوصفها ضمير الأمة ورافعة وعيها. فالأمم لا تنهض بالمسميات ولا بالألقاب، بل بالضمائر الحية والعقول المستنيرة التي تُسهم في بناء الإنسان قبل بناء السلطة. إن أزمة النخبة العربية هي في جوهرها أزمة وعيٍ ومفاهيم؛ إذ تحول فيها الفكر إلى تابع للنفوذ، والمعرفة إلى سلعة في سوق المصالح. وما لم تستعد المجتمعات العربية مفهوم النخبة بوصفها قوة معرفية نقدية مستقلة، فستظل تدور في فلك نخبٍ تتوارث النفوذ وتُفرغ الفكر من جوهره، إلى أن يصبح العقل تابعًا، والسلطة معصومة، والمجتمع مُغيَّبًا عن ذاته.
مع خالص تحياتنا وتقديرنا للجميع.






