اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

الرضا بالقضاء

الرضا بالقضاء

بقلم الأسيف / مرعي_حميد

*الرضاء التام بقضاء الله حين ينزل أفضل ما هو مُمكن عند العلم بمُصاب حل ، و القضاء هُنا كل شيء يحدث للإنسان من غير أن يكون هو من جرّه لنفسه بعمل من أي نوع  أو تصرّف مُحدّد ..*

*ومع الرضاء بقدر الله يكون الدُعاء أفضل ما نستطيع تقديمه لمن يعزُ علينا أن نُفارقهم و  يُفارقوننا ليس فحسب عند الوفاة بل وباستمرار حتى نلحق بهم …*

*لقد لف الحُزن قلبي و قلوب أهل القطن أوّل ما بلغ مسامعنا النبأ المؤلم : وفاة الدكتورة هبة و الدكتورة عصماء ابنتا الدكتور المُتفاني في خدمة أهل القطن و ما جاورها الدكتور عبدالله عبدالقادر بلعجم صاحب الاعتماد الطبي الواسع ، و ما زاد النبأ فجيعة أنهما كانتا أنهتا آخر امتحان لهما في كلية طب الأسنان بمدينة عدن وكانتا في طريق العودة لمدينتهما مدينة القطن واسطة وادي حضرموت ، رحمهما الله و أكرم نُزليهما بكرمه الواسع و فضله العظيم …*

*لقد حان أجلهما وهما مستقلتين حافلة نقل حدث لها صِدام مع سيارة هايلوكس تحمل لائحة خصوصي في منطقة أحور بمحافظة أبين ، و هما فقط من توفيتا من مستقلي المركبتين … إنه قدر الله خالقهما الرحمن المُقدّر أقدار الخلائق كافّو بحكمته و علمه …*

*و قد نعى الفقيدتين عميد كلية طب الأسنان بجامعة عدن الدكتور ماجد علي مُثنّى في منشور له على صفحته على الفيسبوك و أرفق مع نعيه صورة كراسي قاعة التكريم المُرفقة مع هذا المقال إلى جانب صورة  الدكتور عبدالله بلعجم أبو الفقيدتين ، وقال عميد الكلية : (( فقدنا زهرتين كانتا مثالًا للأخلاق والاجتهاد، و ستبقى ذكراهما العطرة في قلوب زملائهما و أساتذتهما .))..*

*يُقدّر الله الخير ، و كما يُقدّره يقدّر سواه و نقيضه للبشر و عند البشر يبتليهم بهما و يمتحن إيمانهم أيرضون و يقبلون برضاء و بحمدون و يشكرون أم يجزعون و يهلعون و يجحدون و يبطرون ، وهو سبحانه يؤجرهم على رضاهم بالرضاء بما أبرم من قضاء مؤلم  ، قال الرسول صلى الله عليه و سلّم : (( فمن رضي فله الرضا و من سخِط فله السُخط ))…و أجر من صبر على مُصاب أليم كبير عند الله تعالى ، و بقدر المُصاب يكون الصبر و بقدر الصبر يكون الأجر ..*

*مهما كان القضاء مؤلم إلا أنّ المؤمن يستقبله بالرضا مؤمناً بعلم الله و كمال قدرته و رحمته و حكمته …*

*ولا يعني الرضاء الامتناع عن الحُزن ، فالحُزن يكون لفراق دنيوي  لغالي أو غالية أو أكثر و هو في حدِّه المعقول مقبول ، و لكن حين يصير سَخط على الله يقع المسلم في المحذور المحظور عليه كمؤمن …*

*إنّ الفِراق الدنيوي للأولاد و للأهل يعقبه لقاء أخروي لا فٍراق بعده و ذلك لأهل الإسلام إذ يجمعهم الله على الدوام في جنّة النعيم العظيم خالدين فيها وهذا بعض معنى الإيمان في الإسلام ديننا العظيم  ..*

*يعطي الله فيكُن الحمد والشكر له على ما أعطى شعور و حال المسلم  ، و يأخذ الله فيكون الرضاء و الصبر ، يحدث القضاء السار فلا نقول لِما أعطانا ، لِما كان منه العطاء ولماذا بهذا القدر والمِقدار ، ولماذا لم يكن عطاءه لنا كان لغيرنا ممّن نعرف أو ممّن لا نعرف …؟ ، كل  ذلك لا يخطر على بالنا و نحن نجد من الله الحكيم الرحيم العطاء المُفرح و المُبهج ،  إنّما هو التقبُّل والحمد و الشُكر له جل جلاله …*

*الحُزن لِفراق من نُحب و الرِضاء لنزول قضاء الله له عليه ، هذه باختصار فلسفة الموقف الإيماني و جوهر المسألة الإيمانية المثالية عند نزول الموت بمن نُحب …*

*لقد حزُن رسولنا الحبيب صلى الله عليه و سلّم حين توفّي ابنه إبراهيم في حداثة سنّه و هو ابنه الوحيد حينها و لم يسخط و هو مصطفى الله من خلقه بالنبوّة و الرسالة و لم يقل لِما ياربي لا تترك لي ابناً كما هو الولد لمن هم دوني عندك بل و لغير المؤمنين و المُحادّين لدينك ، ولم يقل لما ياربي لا تُبقي لي أبناء يكبرون و يكون لهم الأبناء و الذُرية كما كان لأبي إبراهيم و كما كان لأنبياء من قبلي إسحاق ويعقوب و داؤود و سُليمان عليهم السلام ، وقد سأل الله بعض أنبياءه الذُرية … ، كلا كلا لم يقل الرسول أيّاً من ذلك القول ، بل صبر و احتسب مُدركاً أنّ لله حِكمة و أنه أرحم الراحمين و أنه على كل شيء قدير  ، و لقد كان لنا رسول الله في صبره أسوة حسنة و مدرسة و نِبراساً مُضيئاً مُتلئلاءً …*

*إننا كُلّما أدركنا و ازددنا إيماناً بأنّ هذه الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف وليست كُل شيء كلما رشدنا في حياتنا و في سلوكنا و في مِزاجنا و مشاعرنا و انفعالنا و تفاعلنا إن حُزن و إن فرح … نحن من يستفيد كلما كنا مؤمنين وكلما كنا مؤمنين أكثر… و العكس صحيح فكُلّما قل الإيمان بالله و بالدار الآخرة فقدنا الرُشد في ذلك كلِه ..*

*إنّ حدوث المصيبة و فوات الحظ الوافر كاشِفين بجلاء لمدى الإيمان و قوّته عند من نزلت به المصيبة و عند من فاته الحظ الذي يرجوه ، كما عند من حصل على خير يرجوه …*

*إنّ للإنسان إرادة في كل شيء و لله إرادة ، وقد تتفق إرادة الإنسان مع إرادة الله فيكون الأمر للإنسان كما يريد و في هذه الحالة عليه أن يحمد الله على نعمته … وفي أحيان أخرى تختلف الارادتان فتكون إرادة الله مُخالفة و مُغايرة لإرادة الإنسان هُنا يصبر المؤمن و يرضى و يقبل و هو على يقين بحكمة الله و علمه الفائق و ما نحن في وجودِه إلا بعض وجودِه الذي أوجده ابتداءً بحكمته و رحمته و علمه وفضله فإن أخذ فقد أعطانا الوجود الأصلي و فرصة الوجود في وجوده و لا وجود إلا وجوده و هنالك وجود أبدي في جنّة النعيم و آخر مُقابل في نار الجحيم ، و إن أخذ الله منّا فقد أعطانا و حين يأخذ فهو يعطي في ذات الوقت ولكن للمؤمنين الراضين لا الرافضين الساخطين ، يعطي الأجر و يعطي العِوض و إن كان في الجيل الثاني و يعطي الكرامة بيت في الجنّة يُدعى بيت الحَمْد ،و بيت في الجنّة يعني ضمانة لدخولها بضمان الثبات على أصل الإيمان و صيانة النفس من ضياعه و تضييعه بمرور الوقت و من ثبت فيلقى موعود الله خير اللقاء و أسعده و أبهجه…*

*إنّ كل مصيبة تحل بالإنسان فليعلم أنّ الله قد صرف عنه مُصيبة أكبر منها مادية أو معنوية ، و المُصيبة المعنوية من فقد للإيمان و وقوع في الظلم الكبير أشد أثراً سلبياً من المصيبة المادية كفقد ولد أو فقد مال أو فقد مُمتلكات أو فوات مطلوب مرغوب …*

*و يبقى الإنسان مُلك لله يتحكّم كما يشاء في بقاءه في الدنيا و مُدّته و في رحيله عنها فلا خيار و لا اختيار للإنسان في و جوده و لا بقاءه و لا مماته و رحيله عن الدنيا ، وما الأبناء و البنات عند أهليهم إلا أمانة و هِبة موهوبة من الله إلى أجل ، صحيح قد يمتد إلى ما بعد رحيل الآباء و لكن قد يقصُر عن أوان رحيلهما أو رحيل أحدهما..*

*من الناس من لا يهبه الله الولد لا ذكر و لا أنثى و هذا بعض قدر الله الذي لا يستحق إلا الرضاء و القبول مع بذل أسباب حصول الخِلفة ما أمكن ، و هذا الذي وهبه الله  الذُريّة فقد فرح بما أعطاه وابتهج حيناً من الزمن و سعُد بما وهبه و أسعد الله ابنه أو ابنته به حين من الزمن صارفاً غالباً عنه الأمراض المُزمنة المُقعِدة ممتّعاً بموفور الصحة و العافية و رُبما يُخالط حياته عِلّة ذاهبة أو إصابة بارءة و لكن معظم حياته في سعادة و عافية ، وقد اجتهد والديه في تربيته و رعايته و تعليمه ، ولكن هذه الحياة ذاتها لها أجل مُحدد عند الله تعالى فمتى بلغ الحي أجل مماته مات بسبب ظاهر أو من غير سبب و هذا قدر الله النافذ ، و قدر القدير لا يملك ردّه أحد من الناس مهما بلغ و لا مجموع الناس فالله غالب على أمره ، و في ممات الأحياء وبخاصة في ريعان الشباب و زهر العمر و أوج القوّة و الشِدّة رسالة إلهية للأحياء أن كونوا دوماً على الإيمان و الطاعة فلا تغترّوا بصحة و لا عافية فالموت ممكن يحل أجله في أي مرحلة عُمرية .. ومتى ما كان في الأجل فُسحة فلا موت يحل والسعيد السعيد من اغتنمها في خير و طاعة و تُقى .. ومن نجاء من موت بقدرة الله له بالنجاة فما عليه إلا أن يحمد الله و أن يغتنم فرصة الحياة المزيدة في طاعة الله الذي سلّمه و في مزيد الإيمان به حتى يحل أوان مماته و مُفارقته لهذه الحياة الزائلة الفانية أجمعها ….*

*و مهما كان إنتهاء الأجل غيبي فينبغي على الإنسان أن يسعى في هذه الحياة دون كلل و لا مخاوف لتحقيق كل طموحاته و تطلعاته المشروعة فهولاء ملايين البشر طمِحوا و تطلّعوا و تحقق لهم ما طمحوا له و أمّلوه من الأمنيات النافعة لهم و لسواهم و تحقق لهم النجاح المنشود في حياتهم ، و في أسرة الفقيدتين المثال الماثل فهي أسرة تُقدّم نموذج عالي من الطراز الاوّل النادر بفضل الله و عونه فلقد نذرت نفسها لخدمة المجتمع ، فالأب الدكتور الأوّل عبدالله عبدالقادر بلعّجم أقدم الدكاترة العاملين بمستشفى مدينة القطن العام و من أهل القطن وهو من خريجي كلية الطب بمدينة عدن ، كان أهم الأطباء طِوال فترة خدمته فإن كان في دوامه كان بها و إن كان خارج دوامه حضر للمستشفى باتصال بروح طيّبة وعاطفة إنسانية راقية ضارباً المثل لكل الدكاترة في زمانه و من بعد زمنه …*

*والدكتور عبدالله هو  الدكتور الباطني الوحيد الذي فتح له عيادة فمستوصف في جزء من بيته العامر بحي الكوادر في أعلى مدينة القطن و قد سبق منذ سنوات أن ذهبت إليه فيه ببعض الأهل…*

*وزوجته الأستاذة عفاف عتيق سالم عتيق مُدرّسة فاضلة مُربيّة لفلذات الأكباد بمدرسة الزهراء للبنات بقلب مدينة القطن على مرمى حجر من حي الكوادر حيث يسكنون …*

*الدكتور أحمد عبدالله بلعجم أكبر أولاد الدكتور ، خرّيج كلية الطب جامعة حضرموت تخصص جراحة*

*الدكتورة أمل عبدالله بلعجم ، حفظها الله و رعاها و وفّقها دوماً ، خرّيجة كلية الطب جامعة حضرموت متخصصة طب نساء و ولاده ، وقد كانت بجوار أبيها تتدرب على يديه حين زرته الزيارة التي ذكرتها أعلاه و هي تعمل مع أبيها في مستوصفه …*

*الدكتور علاء عبدالله بلعجم خريج جامعة حضرموت كلية الطب ،  و درس في مصر تخصص مجال التخدير ..*

*الدكتور عبد الحليم عبدالله بلعجم خريج كلية الطب جامعة حضرموت تخصص صيدلة…*

*الدكتور مَعين عبدالله بلعجم خريج كلية الطب جامعة حضرموت تخصص صيدلة ..*

*الدكتور  صِدِّيق عبدالله بلعجم ..خريج كلية الطب تخصُص مختبرات  ..*

*الدكتورتان الفقيدتان هِبة و عصماء خريجتا جامعة عدن  كلية طب الأسنان بمدينة عدن ثابرتا و اجتهدتا في الدراسة الطبيّة الجامعية أنموذج في طُلاب الطب و إلى جانبهما أبيهما و أمهما اللذان كانا يرافقانهما بعض الوقت في  مدينة عدن لتتهيأ أفضل الفرصة لابنتيهما للدراسة الجامعية في تخصص لا توجد فيه مُتخصصة بمدينة القطن و ما أحوج نساء القطن و ما جاورها لهكذا تخصص و هذا سعي البشر و إرادتهم و لكن الأعمار لا يعلمها إلا مُقدِّرها الله العلي القدير رب العالمين …*

*وهؤلاء الثمانية هم مجموع أبناء و بنات الدكتور عبدالله بلعجم ، حفظهم الله و والديهم و زادهم توفيقاً في ما نذروا حياتهم له من عمل إنساني رفيع القيمة عالي المِقدار …*

*من صميم القلب لك التعازي الحارّة حضرة دكتورنا الغالي عبدالله عبدالقادر بلعجم في المُصاب الأليم الذي نُشاركك حُزنه ، و التعازي القلبية لكل أفراد أسرتك الكريمة المُثابرة ولكل آل بلعجم و آل عتيق ، أسأل الله العظيم أن يُلهمكم الصبر و السِلوان و أسأله لكم حُسن العَزاء و أسأله أن يُعظم لكم الأجر ، و أسأل الله للفقيدتين الفاضلتين أن يُعظم لهما أجر عملهما الصالح إلى يوم الدين ، وأسأل الله العلي العظيم أن يُكرم نُزلهما و أن يجعل قبريهما روضتين من رياض الجنّة ، و أسأله أن يرحمهما رحمة واسعة و أن يسبغ عليهما رحمته و رضوانه ، و أسأله مولانا العظيم أن يُسكنهما الفردوس الأعلى من الجنّة… و إنّ القلب ليحزن و إنّ العين لتدمع و إنّا لله و إنّا إليه راجعون ….*

*وفي ختام المقال لا أنسى تقديم الشكر لمن شاركوني جمع المعلومات الواردة فيه عن الحادثة و عن الدكتور عبدالله بلعجم و أسرته : الأستاذ علي حسن عبدالقادر بلعّجم الذي وفّر لي كذلك صورة عمه الدكتور عبدالله المُرفقه ..*

*و الأستاذ محمد سعيد عبدالله باسوّاد الذي وفّر لي بعض المعلومات كذلك …*

إغلاق