الصمت على الخطأ… شراكة غير معلنة في الظلم”
كتب – رمزي الجابري
الاربعاء 1 اكتوبر 2025
وقت كثرت فيه المصالح وتعالت فيه الأصوات المتلوّنة، يظهر نوعٌ جديد من الظلم لا يُمارس بالسلاح أو بالكلمة، بل بالصمت. كثيرون يعرفون الخطأ، يشاهدونه، يتأكّدون من نتائجه، لكنّهم يسكتون خوفًا على مصالحهم، أو طمعًا في استمرار منفعةٍ خاصةٍ على حساب الناس. هذا الصمت ليس حيادًا؛ إنه مشاركة غير معلنة في الخطأ.
الصمت عن الحقّ في لحظةٍ يكون فيها صوتك مطلوبًا، يعني أنك تركت المجال للباطل أن يتمدّد، وأعطيت الظالم بطاقة مرور مجانية ليتمادى. لا فرق بين من يمارس الخطأ ومن يسكت عليه وهو قادر على وقفه. الفارق الوحيد هو أنّ الأوّل ظالمٌ بالفعل، والثاني ظالمٌ بالتواطؤ.
إنّ المستفيد من الخطأ على حساب الناس يعيش وهمًا قصير الأجل. قد يربح مصلحةً أو منصبًا أو صفقةً، لكنه يخسر سمعته وثقة الناس فيه، ويترك في تاريخه وصمة الصمت. فالتاريخ لا يسامح الصامتين حين كان الكلام واجبًا، ولا يرحم المتفرّجين حين كان التدخل ضروريًا.
المجتمعات لا تنهار من فعل القلة القليلة التي تفسد، بل من سكوت الكثرة التي تعرف الحقيقة وتختار الصمت. وحين يصبح الصمت ثقافة، تتفشّى الرشوة، ويُستباح المال العام، وتنهار القيم، ويشعر الشخص الشريف أنه غريب في وطنه.
لقد علّمنا التاريخ أن كلمة الحق قد تُكلف صاحبها الكثير في البداية، لكنها هي التي تحفظ وجهه وكرامته في النهاية. أما المصلحة الزائلة فلا تدوم، ومن يخاف على لقمةٍ صغيرة يخسر خبزه كله حين يسقط البناء الذي يسكت على تشقّقاته.
الواجب على كل إنسان أن يتذكّر أن قول الحق ليس عداءً ولا تهورًا، بل إصلاحٌ وبناءٌ للمجتمع. وأنّ الإصلاح قد يبدأ من كلمةٍ صادقةٍ، أو موقفٍ شجاعٍ، أو رفضٍ بسيطٍ للتواطؤ مع الخطأ. وأنّ السكوت عن الخطأ خوفًا على المصالح، هو في حقيقته تضحية بالمصلحة العامة لصالح الوهم.
المجتمع القوي ليس ذلك الذي يخلو من الأخطاء، بل ذلك الذي يواجه أخطاءه بشجاعة، ويحاسب المخطئ مهما كانت مكانته، ويكافئ الصادق حتى لو كان صوته نشازًا في البداية.
بهذه الروح وحدها يمكن أن نبني مستقبلًا نقيًا، ويعرف كل فرد أنّ مصلحته الحقيقية ليست في الصمت على الظلم، بل في الوقوف مع الحقّ مهما كلّف الثمن.
وخير الكلام ما قل ودل فلتكن كلمة الحق سلاحك، ولا تجعل خوفك على مصلحتك جسرًا يمرّ عليه الظلم؛ فمن صمت اليوم عن الخطأ سيجد نفسه غدًا ضحيةً له.”






