الذكرى التاسعة لإعتقالي.. من زنازين الحوثي إلى فضاء الحرية
بقلم / ياسر غيلان المسوري
في مثل هذا اليوم، 28 سبتمبر 2016م، اعتقلتني مليشيات الحوثي من أمام منزلي في صنعاء، بعد أن حاصروني بسبع سيارات واقتحموا بيتي في مشهد همجي لم يراعوا فيه حرمة النساء ولا صرخات الأطفال. اليوم، وبعد تسع سنوات، أستعيد هذه الذكرى وأنا خارج أسوارهم، أحمل في صدري ما يكفي من الألم، وما يكفي من الصمود أيضًا.
لقد ذقت في سجون الحوثي أبشع صنوف التعذيب. لم أسمع بأسلوب تعذيب إلا وجرّبوه عليّ: الصعق بالكهرباء، الضرب بالعصي، الحرمان من النوم والطعام والماء، الزنازين المظلمة، تقييد اليدين حتى نزفت الدماء.. كل ذلك لم يكن لانتزاع معلومة بقدر ما كان محاولة لكسر إرادتي. لكنهم فشلوا. كنت بينهم كالأسد، وكل إجاباتي كانت تثير غيظهم لأنني رفضت أن أنحني أو أساوم على وطني.
ومن سخرية القدر أن رئيس المحققين الذي أشرف على تعذيبي المدعو عبد الواسع أبو طالب، والذي كان يعرف باسم “سامي أبو طالب”، قد لقي مصرعه قبل يومين في غارة إسرائيلية استهدفت مقرات المخابرات الحوثية في صنعاء. هكذا انتهى جلادي الذي كان يظن نفسه خالدًا.
خرجت بعد 533 يومًا من الأسر، لكن المليشيات ما تزال حتى اليوم تحتجز سيارتي، وأجهزتي الصحفية، وهواتفي وهواتف من كانوا معي، واللابتوب الذي كان يحتوي أرشيفي وموقعي الإخباري الكرامة نت. ذلك الموقع الذي كشفت من خلاله، قبل الانقلاب بعامين، خرائط وخطط الحوثيين للاستيلاء على المحافظات وإعلان دولتهم المزعومة. يومها نُشرت تقاريري في عشرات المواقع، وكنت أصرخ في وجه الغفلة الوطنية: “احذروا هذا المشروع”.
ومع كل هذا، لم أحصل على أي تعويض من شرعيتنا الموقرة. لم يُعَد إليّ شيء مما نُهب، ولم أستطع حتى اليوم أن أشتري لابتوب بديل أو أعيد موقعي الإخباري إلى الحياة. ما زلت أعيش مع أسرتي مرارة الفقد، وفقدان أبسط أدواتي التي كنت أقاوم بها مشروع الكهنوت.
لكنني اليوم أكتب من موقع مختلف: من خارج مناطق الحوثي. أكتب بصوت عالٍ، بلا خوف ولا تردد، لأقول إن ما فعلوه بي وبآلاف غيري لم يزِدنا إلا يقينًا بأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع، وأن ثمنها باهظ، لكنه يهون أمام مستقبل وطن يتسع لكل أبنائه.
أوجّه رسالتي للحوثيين:
قد تسلبون ممتلكاتنا، وتنهبون أدواتنا، وتعذبون أجسادنا، لكنكم لن تسلبوا إرادتنا. سيظل صوتنا أقوى من سوطكم، وحلمنا باليمن الجمهوري أكبر من أوهامكم السلالية.
وأوجّه رسالتي لشرعيتنا:
من المؤلم أن المليشيات سلبتني كل شيء، وأن الشرعية التي أناضل من أجلها لم تعوّضني حتى عن قلم أو لابتوب. لكنني رغم ذلك باقٍ في خندق الوطن، لأن إيماني باليمن الحر أكبر من كل الجراح.
اليوم، وأنا أستعيد هذه الذكرى، أجدّد العهد أنني سأواصل النضال بالكلمة والموقف، حتى تعود دولتنا، وتعود الجمهورية، ويُسترد حقي وحق كل مظلوم.
التاريخ لا يرحم، والحرية لا تموت.






