بعيدا عن السياسة … تأملات إيمانية في الاعجاز القرآني !!!
بقلم / م . لطفي بن سعدون الصيعري .
الثلاثاء 16 سبتمبر 2025
اعتاد القارئ الكريم في مقالاتي السابقة أن يجدني غارقاً في الشأن السياسي وتحليل مساراته وتعقيداته اليومية، غير أنّني هذه المرة آثرت أن أبتعد قليلاً عن ذلك الزحام الصاخب، لأفتح قلبي وقلمي لتأملات إيمانية أعيشها مع كتاب الله العظيم. فقراءتي اليومية للقرآن الكريم لم تعد مجرد عبادة أُؤديها طلباً للأجر والثواب فحسب، بل صارت رحلة معرفية وروحية أكتشف فيها معاني جديدة، وأسراراً إعجازية، وكنوزاً لا تنضب في مجالات الحياة كافة.
ومن هنا، فإني أوجّه دعوة محبة لكل القراء والمتابعين أن يخصّصوا من وقتهم نصيباً ثابتاً للجلوس مع القرآن الكريم يومياً: تلاوةً، وتدبراً، واستحضاراً لعظمة معانيه. ففيه الأجر العظيم والحسنات الجارية، وفيه كذلك لذّة لا تضاهيها لذّة حين يتذوق المرء حلاوة ألفاظه وعمق دلالاته، إلى جانب ما يزخر به من إشارات معرفية وإعجازية تشهد أنه تنزيل من حكيم حميد. فالقرآن الكريم مع السنّة النبوية المطهّرة هما أصل هذا الدين وأساس تشريعاته، ومفتاح صلاح الدنيا والآخرة.
*إعجاز القرآن الكريم: شهادة على عظمة الخالق :*
القرآن الكريم ليس مجرد كتاب ديني، بل هو معجزة خالدة وشاملة تتجلى في كل زمان ومكان. إنه كلام الله الذي نزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ليكون هداية للبشرية جمعاء. تتعدد وجوه الإعجاز في القرآن لتشمل مختلف جوانب الحياة والمعرفة، فمن إعجازه اللغوي الذي عجز العرب عن الإتيان بمثله، إلى إعجازه التشريعي الذي وضع أسس العدل والمساواة، مرورًا بالإعجاز العلمي الذي كشف حقائق كونية لم يتوصل إليها العلم إلا حديثًا، وصولًا إلى الإعجاز الرقمي الذي يبرهن على دقة متناهية في ترتيب كلماته وآياته.
*الإعجاز في وصف الشمس والقمر :*
تتجلى الدقة العلمية في القرآن الكريم في وصفه للظواهر الكونية. فقد ذكرت الآيتين الكريمتين بأدناه وصفا دقيقا للشمس والقمر:
الآية الأولى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ (سورة يونس، الآية 5).
الآية الثانية: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (سورة نوح، الآية 16).
ففي هاتين الآيتين، يفرق القرآن بوضوح بين مصطلحي “الضياء” و”النور”. وهذا التفريق ليس مجرد اختلاف لفظي، بل هو وصف دقيق يتوافق مع الحقائق العلمية التي اكتشفت حديثًا.
فقد وصف القرآن الشمس بـ”الضياء” و”السراج”. والضياء والسراج يعنيان مصدرًا للضوء يولد الضوء من ذاته، وهذا ما تفعله الشمس بالفعل. الشمس نجم عملاق يولد طاقته وضيائه من خلال التفاعلات النووية الحرارية في قلبه، مما يجعلها مصدرًا أساسيًا للحرارة والضوء.
بينما وصف القرآن القمر بـ”النور”. والنور في اللغة العربية يُطلق على الضوء المنعكس من جسم آخر. وهذا ما يفعله القمر بالضبط؛ فهو لا يولد الضوء من نفسه، بل يعكس ضوء الشمس الساقط عليه، مما يجعله يشع نورا لنا.
هذا التمييز الدقيق بين طبيعة ضوء الشمس وضوء القمر في زمن لم يكن فيه البشر يملكون أدوات متقدمة لدراسة الفلك، هو إعجاز علمي بليغ يبرهن على أن القرآن من عند الله الخالق العليم.
*الإعجاز في وصف أبواب الجنة والنار :*
تتميز آيات القرآن الكريم بدقتها اللغوية التي تحمل دلالات عميقة. فقد ذكرت الآيتين اللتين تتحدثان عن أبواب الجنة والنار:
آية الجنة: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (سورة الزمر، الآية 73).
آية النار: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا﴾ (سورة الزمر، الآية 71).
*تحليل الإعجاز اللغوي والرقمي:*
يلاحظ في الآيتين اختلاف دقيق في التعبير عند الحديث عن فتح الأبواب. في آية الجنة، جاء التعبير “وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا” باستخدام حرف الواو. بينما في آية النار، جاء التعبير “فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا” بدون حرف الواو.
يُشير بعض العلماء والباحثين إلى أن هذا الاختلاف اللغوي قد يحمل دلالة رقمية. ففي اللغة العربية، يُعتبر حرف الواو “واو الثمانية”، وقد استخدم في بعض المواضع للدلالة على رقم 8، كما ورد في قصة أصحاب الكهف في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (سورة الكهف، الآية 22).
بناءً على هذا التحليل، يكون استخدام الواو في آية الجنة إشارة إلى أن الجنة لها ثمانية أبواب، وهو ما يتوافق مع الأحاديث النبوية الصحيحة التي تذكر أن أبواب الجنة ثمانية. بينما غياب الواو في آية النار ، يشير إلى أن أبواب جهنم سبعة، وهذا ما تؤكده آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ (سورة الحجر، الآية 44).
هذا التناسق بين النص القرآني والأحاديث النبوية، بالإضافة إلى الدقة اللغوية التي تحمل دلالة رقمية، هو دليل آخر على عظمة القرآن وإعجازه الذي لا يُمكن أن يكون من صنع بشر.
هذه مجرد لمحات بسيطة من بحر إعجاز القرآن الكريم، الذي يستمر في كشف أسراره لكل من يتدبره بعمق. اللهم انني اجتهدت فاكتب لي الاجر أن اصبت ، وأكتب لي التوبة إن أخطأت .






