اعلانك معنا تحقيق اهدافك التجارية وزيادة مبيعاتك
ابحث في الموقع
تاربة اليوم - الموقع الإخباري اليمني

ماذا وراء كلمة دونالد ترامب؟

ماذا وراء كلمة دونالد ترامب؟

بقلم/ خالد الصيعري
الاثنين 15 سبتمبر 2025

في عالمٍ يزداد اضطراباً يوماً بعد يوم خرج الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترامب بتصريحات صادمة لا يمكن تجاهلها ولا يمكن اعتبارها مجرد زلة لسان أو محاولة لإثارة الجدل. في خطابه الأخير أطلق ترامب كلمات تحمل في طياتها معاني خطيرة عن النظام العالمي الجديد مؤكداً بوضوح لا يقبل التأويل أن هذا النظام لا مكان فيه للأديان وأن العالم مقبل على قتل عشرات الملايين مع تركيز خاص على أن العرب والمسلمين سيكونون في صدارة قائمة الضحايا. هذه الكلمات ليست مجرد خطاب سياسي بل إعلان نوايا يعكس توجهات فكرية واستراتيجية أبعد بكثير مما قد يظهر على السطح. والسؤال هنا

ماذا وراء هذه الكلمة؟ ولماذا اختار ترامب هذا التوقيت بالذات ليطلقها؟

ترامب ليس سياسياً تقليدياً بل رجل أعمال يستخدم لغة الأرقام والصفقات حتى في السياسة. حين يتحدث عن قتل الملايين فهو لا يبالغ عبثاً بل يشير إلى سيناريو مرسوم مسبقاً في عقل المؤسسة الأميركية التي ينتمي إليها. لكن الخطورة تكمن في أن هذه التصريحات تأتي من رجل يعرف كواليس النظام الأميركي ويتحدث بلغة التهديد لا التوقع فحين يقول إن النظام العالمي الجديد لا يعترف بالدين فهو في الحقيقة يكشف أحد أخطر المشاريع التي تسعى القوى الكبرى لفرضها علمنة مطلقة للعالم حيث تُستبعد كل الأديان من المشهد العام ويُستبدل الإيمان بالقوة والسيطرة.

إن فكرة النظام العالمي الجديد ليست وليدة اليوم بل هي مشروع قديم تمت صياغته منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وجرى الترويج له في خطابات رؤساء أميركا المتعاقبين. لكن ترامب أعطاها بعداً أشد خطورة إذ لم يعد الحديث عن تعاون دولي أو إعادة هيكلة اقتصادية بل عن إعادة صياغة البشرية نفسها وفرض رؤية واحدة يتحكم بها الغرب لا مكان فيها للتعددية الدينية أو الثقافية هذه ليست مجرد شعارات بل خطة يجري تنفيذها على الأرض عبر الحروب والعقوبات الاقتصادية والإعلام الموجّه وحتى عبر التكنولوجيا التي أصبحت سلاحاً للسيطرة على العقول.

الجزء الأخطر من خطاب ترامب كان حين لمح إلى أن الكثير من القتلى سيكونون من العرب والمسلمين هذه الجملة تكشف عقلية استعمارية قديمة ترى في الشرق الأوسط خزانا للفوضى والضحايا وكأن دماء العرب والمسلمين مجرد تفصيل ثانوي في مشروع عالمي أكبر هذا ليس جديداً على العقل الغربي، فقد سبق وأن جرى استباحة منطقتنا في غزو العراق 2003 حيث قُتل أكثر من مليون عراقي دون أن يهتز ضمير الغرب. وسبق أن تم تحويل أفغانستان إلى مقبرة جماعية واليوم نرى غزة تحترق أمام أعين العالم والقتل يُبرر دائماً بحجج واهية. إن خطاب ترامب ليس سوى استمرار لهذا النهج لكنه أكثر وضوحاً ووقاحة.

لو قرأنا كلمة ترامب بعين ناقدة سنجد أنها تحمل ثلاثة محاور أساسية: نفي الدين من المجال العام في محاولة لتجريد البشرية من روحها وشرعنة القتل الجماعي عبر تصويره وكأنه أمر لا مفر منه وأخيراً شيطنة العرب والمسلمين لتبرير المجازر قبل وقوعها. هذه الثلاثية ليست عفوية بل تعكس منهجية سياسية قد تُترجم قريباً إلى قرارات عسكرية واقتصادية تستهدف منطقتنا.

ترامب، رغم كل ما يُقال عن عفويته أو تهوره لا يتحدث بلا حساب كلماته مدروسة ورسائله تصل إلى حيث يريد وما قاله عن الملايين الذين سيُقتلون ليس مجرد سيناريو خيالي بل خطة تهديدية موجهة إلى خصومه وحلفائه على حد سواء إما أن تخضعوا للنظام الجديد أو تستعدوا للفناء وهذا ما يجعل خطابه خطيراً لأنه يشرعن الإبادة الجماعية كخيار سياسي مشروع.

وحين يتحدث عن القتل لا يتخيل أحد أن الضحايا سيكونون من الأوروبيين أو الأميركيين فالغرب في ذهنه هو صاحب الحق في البقاء بينما بقية شعوب الأرض مجرد أرقام قابلة للتصفية هذه النظرة العنصرية تكشف بوضوح أن النظام العالمي الجديد ليس مشروعاً للتعايش بل للإقصاء والسيطرة.

تصريح ترامب بأن الكثير من العرب والمسلمين سيُقتلون ليس مجرد صدفة بل رسالة موجهة إلى العالم الإسلامي أنتم الهدف القادم وقد رأينا مقدمات هذا الاستهداف في الحروب على العراق وأفغانستان وسوريا واليمن وفلسطين والآن يريد ترامب أن يخبرنا صراحة المجزرة لم تبدأ بعد هذا التصريح ينسجم مع رؤية يمينية متطرفة داخل الولايات المتحدة ترى في الإسلام عدواً وجودياً هذه الرؤية غذّاها الإعلام الغربي لعقود عبر تصوير المسلمين كإرهابيين ومتطرفين لتبرير كل حرب قادمة ضدهم.

والمثير أن الإعلام الغربي لم يتعامل مع كلمة ترامب باعتبارها فضيحة بل مررها كخبر عادي وهذا يثبت أن هناك تطبيعاً مع خطاب العنف والكراهية ضد المسلمين وكأن دماءنا فقدت قيمتها في ميزان الحضارة الغربية الإعلام هنا لا ينقل الحقائق، بل يمهّد الأرضية لقبول الإبادة الجماعية وكأنها أمر طبيعي.

ولا يمكن تجاهل الدور السلبي للأنظمة العربية التي تتسابق على استرضاء واشنطن حتى وهي تسمع هذه التهديدات فبدلاً من أن ترفع الصوت احتجاجاً نراها تصفق وتنتظر الأوامر وهذا الخضوع يزيد من جرأة أمثال ترامب على العرب والمسلمين بل إن بعض هذه الأنظمة تساهم بوعي أو بلا وعي في تمرير مشروع النظام العالمي الجديد عبر القبول بالتطبيع الكامل مع الاحتلال وعبر إسكات شعوبها عن قول كلمة الحق.

ما قاله ترامب ليس خطيراً على المسلمين وحدهم بل على البشرية كلها فحين يصبح القتل الجماعي جزءاً من الخطاب السياسي الغربي فهذا يعني أننا أمام كارثة أخلاقية تهدد بجر العالم إلى حرب إبادة جديدة قد لا ينجو منها أحد.

هل نحن أمام نبوءة أم تهديد؟ الحقيقة أنه مزيج من الاثنين. فهو يحاول أن يرسم صورة سوداء للعالم القادم وفي الوقت نفسه يهدد بأن هذا المستقبل سيتحقق إن لم يخضع الجميع للنظام الأميركي الجديد.

إن هذا الخطاب يعيدنا إلى مرحلة الحرب الباردة حين كانت القوى الكبرى تستخدم لغة الرعب والتهديد ولكن الفرق أن الحرب الباردة كانت صراعاً أيديولوجياً بين الرأسمالية والشيوعية أما اليوم فنحن أمام صراع وجودي بين نظام عالمي يريد السيطرة المطلقة وشعوب تتمسك بدينها وهويتها.

أمام هذا الخطاب لا يكفي أن نغضب أو نشجب المطلوب هو وعي سياسي جماعي وإدراك أن ما يخطط له الغرب لن يتوقف عند حدود الكلام بل علينا أن نقرأ ما بين السطور وأن نستعد لمواجهة مشروع يريد محو هويتنا الدينية والثقافية والمقاومة هنا تبدأ بالوعي ثم بالتحرك العملي سواء في المجال الإعلامي أو السياسي أو حتى الشعبي.

إن كلمة ترامب هذه يجب أن تُقرأ باعتبارها جرس إنذار أخير لا مجرد خطاب سياسي عابر فهي تعني أن الغرب مستعد للذهاب بعيداً في حربه على الإسلام وأن دماء الملايين قد تصبح وقوداً لمشروع عالمي جديد لا يعترف بوجودنا لذلك فإن الصمت لم يعد خياراً والانتظار لم يعد ممكناً إننا أمام مرحلة تاريخية حاسمة إما أن نكون فيها فاعلين نقاوم ونحمي ديننا وهويتنا أو أن نُدفن مع الملايين الذين وعد ترامب بقتلهم.

إغلاق