صلاح الأوطان بصلاح الإنسان: قراءة فكرية في الحكمة الاجتماعية والواقع التاريخي
تاربة_اليوم /كتابات واراء
كتب / الدكتور عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
6 سبتمبر 2025م
تُعد العبارة: البلاد بأهلها، فإن صلحوا صلحت، وإن فسدوا فسدت من الأقوال الشائعة في الأدبيات العربية الحديثة والوعظية، وإن لم تُنسب إلى حكيم أو مفكر بعينه. وهي في حقيقتها ليست نصًّا تراثيًا محددًا، بل حكمة اجتماعية عامة تبرز العلاقة العضوية بين المواطن ووطنه، وبين صلاح الأفراد وازدهار العمران.
وعند العودة إلى التراث العربي الإسلامي، نجد أن أقرب ما يوازي هذه الفكرة ما قرره ابن خلدون في المقدمة، حيث ربط بين العمران والسلطة وأخلاق الناس. فقد أكد أن العمران لا يزدهر إلا باستقامة المجتمع، وأن فساد الدولة يبدأ من فساد القيم في الناس، ثم يتجلى في ضعف المؤسسات وزوال الملك. وهذه الرؤية الخلدونية تمثل قراءة سوسيولوجية مبكرة تُبرز أن الوطن ليس مجرد كيان جغرافي أو سياسي، بل هو منظومة قيمية وأخلاقية تتجسد في سلوك أفراده.
ومن هنا يتضح أن المواطن هو حجر الأساس في بناء الوطن؛ فصلاح الفرد في اختياراته وسلوكه، واستقامته في العمل والعلم، ينعكس صلاحًا على الدولة، بينما يؤدي فساده أو جهله إلى إضعاف البنية الوطنية مهما توفرت الموارد. فالوطن في نهاية المطاف مرآة لأبنائه: ينهض بوعيهم، ويهوي بجهلهم.
وتشير تجارب التاريخ الحديث إلى نماذج دالة على هذه القاعدة؛ فقد خرجت ألمانيا واليابان من الحرب العالمية الثانية مدمرتين، لكن وعي المواطنين، وانضباطهم في العمل، جعل منهما في غضون عقود قصيرة قوتين اقتصاديتين بارزتين. وعلى العكس من ذلك، ثمة أوطان غنية بالموارد، لكنها لم تحقق نهضة حقيقية بسبب غياب الوعي لدى المواطنين، وتفشي الجهل والفساد، مما أدى إلى تعطل مسيرة التنمية وإضعاف مؤسسات الدولة.
إنَّ صلاح الأوطان يبدأ من صلاح الإنسان، في وعيه واختياره، وفي مشاركته الفاعلة في الإعمار والبناء. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة والطرقات فحسب، وإنما تبنى أولًا بالعلم والمعرفة والانضباط، وهي القيم التي تشكل القاعدة الصلبة لأي نهضة حضارية. وهكذا، تغدو الحكمة محل البحث قاعدة حضارية عامة تؤكد أن استدامة العمران لا تتحقق إلا بإنسان صالح، واعٍ، مسؤول، يرى في وطنه امتدادًا لذاته وكيانه.
مع خالص تحياتنا وتقديرنا للجميع.






