أوجعتنا ثرثرة النفاق
( #تاربة_اليوم ) / كتابات وآراء
كتب : ليلى بن بريك
4 سبتمبر 2025
هل يمكن للإنسان أن يخدع العالم كله إلا نفسه؟
سؤال يطارد كل من يختبئ خلف الأقنعة. فالنفاق، مهما تلون وتجمّل، يظل كالظلّ يكشف صاحبه حين يظن أنه مستور. إنه كذبة متكررة، لكنها في النهاية تفضح قائلها، لأنه لا يستطيع أن يخدع ضميره إلى الأبد.
النفاق ليس مجرد كذبة عابرة أو موقف انتهازي، بل هو مرض يتغذى على ضعف النفوس وخوفها من الحقيقة. المنافق يعيش حياة مزدوجة، يرتدي أقنعة متعددة ليخفي هشاشته، يغيّر ألوانه كما يتغير الطقس، ويتبدل بحسب من يقف أمامه. ظاهره كلمات منمقة ومجاملات لينة، أما باطنه فمكر ومصالح وأنانية عارية.
لقد تسلل النفاق إلى تفاصيل حياتنا حتى صار ظاهرة اجتماعية أكثر منه سلوكاً فردياً. هناك من يمارسه كعادة يومية، كأن الحياة لا تستقيم إلا بالكذب والتلون. وهنا تكمن الكارثة؛ لأن النفاق حين يصبح سلوكاً عاماً، فإنه لا يفسد الفرد وحده، بل يهدم المجتمع من الداخل.
النفاق الفردي: صراع مع الذات
هو الانفصام بين ما يؤمن به المرء وما يظهره للآخرين. يعيش صاحبه ممزقاً بين قناع يلبسه للناس وحقيقة يخفيها في داخله. قد يظن أنه ينجو بمرواغته، لكنه في الحقيقة يخسر نزاهته ويفقد سلامه الداخلي.
النفاق الاجتماعي: سرطان الثقة
أشد خطورة، لأنه يتجاوز الفرد ليطال المجتمع. يمارسه البعض كفن للبقاء أو وسيلة للارتقاء، فيبيعون القيم من أجل مصالح آنية. يخفون الحقائق، يملقون الأقوياء، ويلعبون على العواطف ليستميلوا الجماهير. هذا النوع يقتل الثقة، ويزرع الشك، ويمهّد لفساد واسع يجعل المصلحة العامة رهينة للمصالح الضيقة.
الخلاصة
النفاق والثرثرة ليستا سوى صدى لفراغ داخلي، وعقد نفسية يحاول أصحابها إخفاءها بالصوت العالي والاتهامات المتكررة. يتوهم المنافقون أن صبر الناس عليهم يعني رضا وقبول، فيتمادون في الكذب والتخوين. لكن الحقيقة أنهم مكشوفون، وأن صمت الناس ليس ضعفاً، بل رحمة بهم واحتقاراً لزيفهم.
أقول لهؤلاء:
أعيدوا النظر في أنفسكم، قبل أن يحاكمكم المجتمع بصمت قاسٍ. فالنفاق لا يرفع مقاماً، والثرثرة لا تبني قيمة، ولو كان النفاق سلاحاً لانتصر به العرب منذ زمن بعيد.
المقالات التي يتم نشرها لاتعبر الا عن راي الكاتب فقط ولا تعبر بالضرورة عن سياسة الموقع






